صناعة الحديد: كيف يتحول خام الحديد إلى حديد وفولاذ؟
من تجهيز الخامات والاختزال في الأفران إلى إنتاج الفولاذ وصبّه ودرفلته وإعادة تدويره.
صناعة الحديد هي سلسلة العمليات الصناعية التي تُخرج الحديد الفلزي من خاماته، ثم تُهيئه ليصبح مادةً يمكن تحويلها إلى فولاذ ومنتجات معدنية ذات تركيب وخواص مضبوطين. الخام الذي يُستخرج من المنجم ليس حديدًا جاهزًا للاستخدام، بل صخرًا أو ركازًا يحتوي في الغالب على أكاسيد الحديد مختلطة بالشوائب. الوصول إلى المعدن يتطلب نزع الأكسجين من هذه المركبات، وهو ما يُسمّى الاختزال، ثم فصل جزء كبير من الشوائب. بعد ذلك تبدأ صناعة الفولاذ، وهي مرحلة مختلفة: ضبط نسبة الكربون والعناصر الأخرى، ثم الصب والدرفلة والمعالجة، حتى يصير المنتج قضيبًا أو صفيحة أو مقطعًا إنشائيًا أو سلكًا.
الخلط بين هذه المراحل هو أكثر ما يُربك فهم الصناعة. الفرن الذي يُنتج حديدًا منصهرًا من الخام لا يُنتج فولاذًا نهائيًا، والفرن الكهربائي الذي يصهر الخردة لا يقوم بوظيفة الفرن الذي يختزل الخام، والحديد الغفل ليس حديدًا زهرًا ولا فولاذًا. في عام 2025 بلغ إنتاج الفولاذ الخام في العالم 1849.4 مليون طن، بحسب جمعية الفولاذ العالمية (worldsteel). هذا الرقم يصف ناتج صناعة الفولاذ، لا كمية الخام ولا كمية الحديد الغفل، وهو أول ما ينبغي تثبيته قبل تتبع المسار من المنجم إلى المنتج.
المهندس عثمان أحمد النجار — خبير الهندسة الميكانيكية
أ. لمى اليوسف — خبيرة الكيمياء التطبيقية والنظرية
الدكتورة آية محمد شرابي — خبيرة علوم الأرض والجيولوجيا
- بلغ إنتاج الفولاذ الخام عالمياً 1849.4 مليون طن في 2025، وهذا رقم ناتج الفولاذ لا الخام ولا الحديد الغفل.
- الصب المستمر يشكّل اليوم نحو 97.5% من إنتاج الفولاذ العالمي، وصب السبائك التقليدي أصبح استثناءً.
- نحو 69.4% من فولاذ العالم يأتي من محول الأكسجين، مقابل 30.3% فقط من فرن القوس الكهربائي.
- الاختزال (نزع الأكسجين) مختلف عن الصهر (تغيير الحالة الفيزيائية)، والفرن العالي يؤدي العمليتين معاً.
- الحديد الغفل وسيط عالي الكربون (3.5-4.5%)، والفولاذ سبيكة مضبوطة الكربون (أقل من 2% غالباً)، وهما ليسا الشيء نفسه.
- مسار الفرن العالي ينتج حديداً غفلاً منصهراً يحتاج محول الأكسجين، ومسار الاختزال المباشر ينتج حديداً صلباً يحتاج فرن قوس كهربائي.
- فرن القوس الكهربائي ليس “نظيفاً” تلقائياً؛ انبعاثه الفعلي يتبع مصدر الكهرباء ومنشأ الحديد الذي يُصهر فيه، لا نوع الفرن وحده.
- إذا كان المختزل كربوناً، فثمة حد كيميائي أدنى قريب من 0.59 طن CO₂ لكل طن حديد لا يُلغى بتحسين الكفاءة وحدها.
اقرأ أيضاً
- المادة: الدليل الشامل لفهم مكونات الكون، خصائصها، وحالاتها من الذرة إلى المادة المظلمة
- علم الكيمياء (Chemistry): دراسة المادة وتفاعلاتها
صناعة الحديد باختصار
صناعة الحديد، بالمعنى الدقيق، هي استخلاص الحديد الفلزي من مركباته الطبيعية. صناعة الفولاذ تأتي بعدها، أو تسير موازية لها في المصنع المتكامل، وهدفها إنتاج سبيكة أساسها الحديد بتركيب كيميائي مقصود. المادة الفلزية لا تخرج من الخام بالصهر وحده؛ الصهر يغيّر الحالة الفيزيائية، أما الاختزال فينزع الأكسجين ويغيّر الحالة الكيميائية. قد تجتمع العمليتان في الفرن العالي، وقد ينفصلان في الاختزال المباشر الذي يُبقي الحديد صلبًا.
تدخل في المسار التقليدي ثلاثة أنواع رئيسة من المواد: خام الحديد، وفحم الكوك المصنوع من الفحم المعدني، والحجر الجيري أو مواد مشابهة تساعد على تكوين الخبث. في المسارات الأحدث يحل الغاز الطبيعي، أو مزيج من الهيدروجين وأول أكسيد الكربون، محل جزء كبير من الدور الذي يؤديه الكوك في الاختزال، وتصبح الكهرباء مصدر الحرارة الرئيس في فرن القوس الكهربائي. ليست كل هذه المواد لازمة في كل مصنع؛ تركيبة المدخلات تتبع التقنية المختارة.
الفرق العملي بين الفرن العالي والاختزال المباشر أن الأول يُخرج حديدًا غفلًا منصهرًا، والثاني يُخرج حديدًا مختزلًا مباشرة ما يزال صلبًا، ويُسمّى أحيانًا حديدًا إسفنجيًا لاتساع مسامه. الحديد الغفل وسيط غني بالكربون، وليس فولاذًا جاهزًا. تحويله إلى فولاذ يتم غالبًا في محول الأكسجين الأساسي، بينما تُصهر الخردة والحديد المختزل مباشرة في فرن القوس الكهربائي. بعد الضبط الكيميائي يُصب الفولاذ، ثم يُدرفل على الساخن أو على البارد، وتُضاف معالجات سطحية أو حرارية بحسب الاستخدام. وإعادة التدوير وخفض الانبعاثات ليستا حاشية على هذه السلسلة؛ الخردة مدخل إنتاج حقيقي، والكربون في المسار التقليدي وقود وعامل اختزال في آن، ولذلك يبقى أثر الصناعة مرتبطًا بمصدر الطاقة وبمادة الاختزال لا بشكل الفرن وحده.
ما الذي يغيّر فهم السلسلة؟
- الاختزال شرط سابق على المعدن. الحديد في الخامات الشائعة مرتبط بالأكسجين، فلا يُستخلص فلزًا إلا بنزع هذا الأكسجين وفصل جزء من الشوائب.
- الحديد الغفل وسيط لا منتج نهائي. ما يخرج من الفرن العالي يختلف في تركيبه ووظيفته عن الفولاذ، ويحتاج معالجة لاحقة إذا كان المقصود درجة فولاذية محددة.
- استخلاص الحديد وصناعة الفولاذ مرحلتان. قد يجتمعان في موقع واحد، وقد يتخصص مصنع في إحداهما. الخلط بينهما يُخفي اختلاف المدخلات والهدف.
- مساران رئيسان للفولاذ. مسار الفرن العالي ثم محول الأكسجين، ومسار فرن القوس الكهربائي الذي يعتمد على الخردة أو الحديد المختزل مباشرة أو كليهما، مع صور وسيطة بينهما.
- التركيب والمعالجة يصنعان الخاصية. نسبة الكربون وعناصر السبك، ثم التصلب والدرفلة والمعالجة الحرارية، تقرر الصلادة والمتانة والليونة وقابلية اللحام أكثر مما يقرره اسم «الحديد» وحده.
- إعادة التدوير تخفّض الطلب ولا تُلغيه. الخردة توفّر خامًا وطاقة وانبعاثات عندما تكون متاحة ونظيفة، لكن عمر المنتجات وجودة الخردة ومصدر الكهرباء تضع حدًا لما يمكن إحلاله محل الإنتاج من الخام.
ما المقصود بصناعة الحديد، وما علاقتها بصناعة الفولاذ؟
كيف نحصل على الحديد الفلزي من خاماته؟
الحديد عنصر كيميائي، والحديد الذي يُستخدم في الصناعة معدن، أي مادة فلزية يمكن تشكيلها. في القشرة الأرضية لا يوجد هذا المعدن في صورة نقية إلا نادرًا، كما في بعض النيازك. الشكل الشائع هو مركبات، وعلى رأسها الأكاسيد: الهيماتيت وصيغته Fe2O3، والمغنتيت وصيغته Fe3O4. معنى ذلك أن ذرة الحديد في الخام «ممسوكة» بالأكسجين داخل بنية معدنية، ومعها سيليكا وألومينا وجير وأكاسيد أخرى تُسمّى في لغة التشغيل الشوائب أو العُصارة الصخرية (gangue).
استخلاص الحديد الفلزي يعني كسر هذه الرابطة بالاختزال: عامل مختزل، كأول أكسيد الكربون أو الهيدروجين أو الكربون الصلب في ظروف معينة، ينتزع الأكسجين من الأكسيد. إذا اكتُفي بتسخين الخام من دون عامل مختزل مناسب، فإن الأكسيد يظل أكسيدًا ولو تغيّر قوامه. الصهر، في المقابل، تحويل المادة إلى سائل. يمكن اختزال الخام وهو صلب، كما في الاختزال المباشر، ويمكن اختزاله ثم صهره في الفرن نفسه، كما في الفرن العالي. الفصل بين الكلمتين ضروري، لأن كثيرًا من الشرح العام يختزل الصناعة كلها في صورة «فرن يُذاب فيه الحجر».
بعد الاختزال تبقى مهمة أخرى: إخراج الشوائب من طريق المعدن. في الحالة السائلة تتجمع الشوائب مع المواد الصهارة في خبث يطفو فوق الحديد لانخفاض كثافته، فيُسحب كل منهما على حدة. في الحالة الصلبة تبقى كثير من تلك الشوائب داخل حبيبات الحديد المختزل، ويُؤجَّل فصلها إلى فرن صناعة الفولاذ. لهذا يختلف الناتج الوسيط باختلاف المسار حتى لو كان مصدر الحديد هو الخام نفسه.
ما الفرق بين استخلاص الحديد وصناعة الفولاذ؟
استخلاص الحديد (ironmaking) ينتهي عندما يُصبح الحديد فلزًا يمكن نقله إلى المرحلة التالية: حديد غفل منصهر من الفرن العالي، أو حديد مختزل مباشرة. صناعة الفولاذ (steelmaking) تبدأ من مواد حاملة للحديد، قد تكون هذا الوسيط أو خردة أو خليطًا منهما، وهدفها سبيكة ذات نسب مضبوطة من الكربون والعناصر الأخرى، لا مجرد معدن منصهر.
ثم تأتي مرحلة لاحقة لا تُغيّر تعريف السبيكة قدر ما تُغيّر شكلها وبنيتها: الصب المستمر، والدرفلة، والمعالجة الحرارية، وأحيانًا الطلاء. بعض المجمعات تضم السلسلة من تحضير الخام وفحم الكوك حتى الدرفلة. وبعضها مصنع فولاذ صغير (minimill) يستقبل خردة أو حديدًا مختزلًا ويعمل بفرن قوس كهربائي ثم مدلفنة. المعهد الأميركي للحديد والفولاذ يصف الطريقين الرئيسين على هذا النحو: الفرن العالي يحوّل الأكاسيد إلى حديد غفل باستخدام الكوك والحجر الجيري، ثم يُعالج هذا الحديد مع الخردة في محول الأكسجين؛ أما فرن القوس الكهربائي فلا يُنتج الحديد من الخام، بل يصهر خردة وحديدًا مختزلًا مباشرة و/أو حديدًا غفلًا ليُخرج فولاذًا منصهرًا.
بين الطرفين صور مختلطة. يُحقن الغاز الطبيعي أحيانًا في الفرن العالي ليحل محل جزء من الكوك. ويُضاف الحديد المختزل إلى محول الأكسجين بنسب محدودة. ويُشحَن فرن القوس بمزيج من الخردة والحديد المختزل والحديد الغفل. وجود هذه التنويعات لا يلغي الفرق الوظيفي: وحدةٌ تختزل الخام، ووحدةٌ تصنع سبيكة، ووحدةٌ تشكّل السبيكة.
| وجه المقارنة | استخلاص الحديد (Ironmaking) | صناعة الفولاذ (Steelmaking) |
|---|---|---|
| المادة المدخلة | خام أكسيد الحديد (هيماتيت أو مغنتيت) | حديد غفل أو حديد مختزل مباشرة أو خردة |
| العملية الجوهرية | نزع الأكسجين (اختزال) | ضبط نسبة الكربون والعناصر (تنقية وسبك) |
| الناتج المباشر | حديد غفل منصهر أو حديد مختزل صلب | فولاذ منصهر بتركيب مضبوط |
| نسبة الكربون في الناتج | مرتفعة، نحو 3.5% إلى 4.5% | منخفضة، غالباً أقل من 2%، وأقل من 1% في درجات الإنشاء |
| الوحدة الصناعية الرئيسة | الفرن العالي أو مفاعل الاختزال المباشر | محول الأكسجين الأساسي أو فرن القوس الكهربائي |
| هل ينتج فولاذاً نهائياً؟ | لا، الناتج وسيط يحتاج معالجة لاحقة | نعم، سبيكة جاهزة للصب والدرفلة |
اقرأ أيضاً
ما الفرق بين الحديد الغفل والحديد الزهر والفولاذ؟

هذه ثلاثة أسماء تُستعمل في العربية أحيانًا كأنها مترادفة، وهي ليست كذلك.
الحديد الغفل (pig iron) ناتج وسيط من الفرن العالي. يكون منصهرًا عند خروجه، ويحتوي عادة على نحو 3.5% إلى 4.5% كربون، مع السيليكون والمنغنيز وكميات من الفوسفور والكبريت تتوقف على الخام والتشغيل. اسمه في الإنجليزية يعود إلى قوالب كانت تُصب في الرمل فتشبه الخنانيص حول مجرى رئيس. وظيفته اليوم أن يُنقل سائلًا إلى محول الفولاذ، أو يُجمَّد ويُباع مادةً أولية. ليس درجة هندسية تُحدَّد خواصها من أجل قطعة نهائية.
الحديد الزهر (cast iron) عائلة من السبائك النهائية أو شبه النهائية، تُصهر وتُصب في قوالب. الكربون فيها مرتفع أيضًا، غالبًا بين 2% و4%، لكن التركيبة مقصودة: شكل الغرافيت، وكمية السيليكون، والمعالجة بالمغنيسيوم في الحديد الزهر العقدي، كلها تُغيّر الهشاشة والمتانة ومقاومة الاهتراء. أنبوب أو قاعدة آلة أو جسم محرك من حديد زهر منتج صب، لا كتلة وسيطة خارجة من فرن اختزال.
الفولاذ (steel) سبيكة أساسها الحديد، والكربون فيها في الاستعمال الصناعي الشائع أقل من 2%، وغالبًا أقل من 1% في الدرجات الإنشائية والصفائح، وقد يُضاف الكروم أو النيكل أو الموليبدينوم أو غير ذلك. انخفاض الكربون عن مستوى الحديد الغفل هو ما يمنح كثيرًا من الدرجات قابلية التشكيل واللحام. لذلك لا يُوصَف الحديد الغفل بأنه «فولاذ خام» إلا على سبيل التجوّز الذي يُضيع المعنى.
ما المواد الخام المستخدمة في صناعة الحديد؟
لا توجد وصفة واحدة تدخل كل مصنع. المسار التقليدي يعتمد على الخام والكوك والجير. مسار الاختزال المباشر بالغاز يعتمد على كريات عالية الجودة وغاز مُصلح. فرن الخردة يعتمد على الفولاذ المستعمل والكهرباء. الخلط بين «مادة تحمل الحديد» و«مصدر الطاقة أو الاختزال» يُفسِد قراءة أي مقارنة بيئية أو اقتصادية.
خام الحديد وأهم المعادن الحاملة له

الهيماتيت والمغنتيت أهم المعادن الحاملة للحديد في التجارة العالمية. الهيماتيت أكسيد حديديك، ولونه يميل إلى الأحمر أو الرمادي الفولاذي، ونسبة الحديد فيه نظريًا نحو 70% من وزن المركب النقي. المغنتيت أكسيد مختلط، ذو مغناطيسية قوية تُسهّل فصله، ونسبة الحديد النظرية في المركب النقي نحو 72%. ما يصل إلى الفرن أقل من ذلك، لأن الخام الطبيعي يحمل شوائب. يُعبَّر عن الجودة بنسبة الحديد (Fe grade) بعد التجفيف أو التكليس بحسب العقد التجاري. خامات تتجاوز 60% حديدًا تُشحَن أحيانًا بعد تكسير بسيط، وخامات أفقر تُرَكَّز قبل التكوير أو التلبيد.
الشوائب المهمة للفرن هي السيليكا والألومينا والجير والمغنيسيا، وإلى جانبها الفوسفور والكبريت والتيتانيوم والعناصر القلوية. السيليكا والألومينا ترفعان كمية الخبث وتستهلكان الجير. الفوسفور ينتقل جزئيًا إلى المعدن ويحتاج ضبطًا لاحقًا. القلويات قد تتكثف في المناطق الباردة من الفرن العالي وتهاجم البطانات. لذلك تختلف الخامات لا في «نسبة الحديد» وحدها، بل في كيمياء الشوائب وحجم الحبيبات وقابليتها للاختزال. خام مناسب للفرن العالي بعد التلبيد قد لا يصلح لاختزال مباشر يتطلب كريات منخفضة الشوائب، لأن تلك الشوائب لن تُفصل في مفاعل الاختزال الصلب.
الفحم الحجري وفحم الكوك ودورهما في الإنتاج التقليدي
فحم الحرارة الذي يُحرق لتوليد البخار ليس فحم الكوك المعدني (coke). الكوك ناتج تقطير إتلافي لفحم بيتوميني خاص، يُسخَّن في أفران الكوك إلى ما يقارب 1000–1100 °م بمعزل عن الهواء حتى تخرج المواد الطيارة ويبقى هيكل كربوني مسامي صلب. صلابته مهمة بقدر كيميائه: داخل الفرن العالي ترتكز عليه طبقات الخام والمواد الصهارة، فلا بد أن يحتمل الحمل من دون أن يتحول إلى ناعم يسدّ مرور الغاز.
وظيفته ثلاثية. يحترق مع الهواء الساخن فيولد الحرارة. يُنتج غازات الاختزال، وعلى رأسها أول أكسيد الكربون. ويبقي طبقة نفاذة يصعد خلالها الغاز ويهبط عبرها العبء الصلب. من يظن أن الكوك «مجرد وقود يسخّن الخام» يفوته أن الكربون هنا مشارك في التفاعل، وأن بنية الحبيبات شرط لعمل الفرن. استبدال جزء منه بالفحم المحقون أو بالغاز الطبيعي يقلل الاستهلاك، لكنه لا يُلغي حاجة الفرن التقليدي إلى هيكل كربوني حامل ما دام التصميم قائمًا على عمود معبأ.
اقرأ أيضاً
الحجر الجيري والمواد المساعدة على تكوين الخبث
المواد الصهارة (fluxes) تُضاف لتصهر الشوائب في خبث سائل عند درجة حرارة التشغيل، ولتضبط كيمياء هذا الخبث. الحجر الجيري، وهو أساسًا كربونات الكالسيوم، يتكلس داخل الفرن:
الجير الناتج يتحد مع السيليكا وغيرها مكوّنًا مركبات سيليكاتية ذات درجة انصهار أدنى من الشوائب وحدها. الخبث الجيد يمتص الكبريت أيضًا، فينتقل جزء منه من المعدن إلى الطور الخبثي. نوع الجير أو الدولوميت وكميته ليست تفصيلًا محاسبيًا: قلة الجير تُبقي شوائب في الحديد وترفع الكبريت، وزيادته فوق الحاجة تُبرّد الفرن وتزيد حجم الخبث واستهلاك الوقود، لأن صهر الخبث يستهلك حرارة. المصنع يضبط القاعدية، وهي تقريبًا نسبة الجير إلى السيليكا، بحسب تحليل الخام والدرجة المطلوبة.
خردة الحديد والفولاذ والمواد الحاملة للحديد
الخردة فولاذ يعود إلى الفرن، لا نفاية هامشية. مصدرها منتجات انتهت خدمتها، كالهياكل والسيارات والأجهزة، أو قصاصة المعامل من الدرفلة والتشغيل. إلى جانبها يُستخدم الحديد المختزل مباشرة، وأحيانًا الحديد الغفل صلبًا أو سائلًا، بوصفها حوامل للحديد. هذه المواد ليست مصدر الطاقة. الطاقة في فرن القوس تأتي من الكهرباء ومن تفاعلات الأكسجين مع الكربون والعناصر المرافقة، وفي المحول تأتي أساسًا من أكسدة السيليكون والكربون في الحديد الغفل الساخن.
جودة الخردة تقرر ما يمكن صنعه منها. النحاس والقصدير والنيكل والموليبدينوم لا تُزال بسهولة بالأكسدة التي تُزيل الكربون والسيليكون، فتبقى في السبيكة. بعض الدرجات العميقة السحب أو بعض الأسلاك تتحمل نسبًا ضئيلة فقط من هذه العناصر المتبقية. لذلك تُفرز الخردة، ويُخفَّف أثرها بخلطها مع حديد مختزل أو حديد غفل أفقر بتلك الشوائب.
الغاز الطبيعي والهيدروجين والكهرباء في المسارات الحديثة
في الاختزال المباشر التجاري الأشيع يُصلح الغاز الطبيعي بالبخار أو بغيره، فينتج خليط من الهيدروجين وأول أكسيد الكربون يختزل الكريات. الهيدروجين هنا جزء من غاز الاختزال، لا دليلًا على أن الوحدة «خضراء». المسار الذي يعتمد على هيدروجين مُنتَج بالكهرباء منخفضة الانبعاثات شيء آخر، وما يزال في طور التوسع لا في طور الهيمنة. الكهرباء، من جهتها، مصدر حرارة في فرن القوس عبر القوس بين أقطاب الغرافيت والشحنة، وقد تُستخدم أيضًا في التسخين المساعد لمفاعلات الاختزال. الغاز المختزِل والكهرباء المسخِّنة وظيفتان متجاورتان لا ينبغي دمجهما في خانة واحدة عند حساب الانبعاثات.
كيف يُجهَّز خام الحديد قبل دخوله إلى الأفران؟
إدخال غبار الخام كما يخرج من بعض المناجم إلى فرن عمودي يسدّ الفراغات بين الحبيبات، فيتعذر صعود الغاز. صناعة الحديد تبدأ إذن بجعل الخام قابلًا للتعامل: حجمًا، وتركيزًا، ومتانة.
التكسير والطحن والتركيز
الخام الفقير أو المتداخل حبيبيًا يُكسَّر ويُطحن حتى تتحرر حبيبات المعدن الحامل للحديد عن الشوائب. درجة التحرير، أي مدى انفصال المعدن المطلوب عن العُصارة، تضع حدًا لما يستطيع الفصل اللاحق تحقيقه. الفصل قد يكون مغناطيسيًا مع المغنتيت، أو بالطفو، أو بالثقل. الناتج مركّز ناعم، مرتفع الحديد، لكنه أنعم من أن يُشحَن مباشرة إلى فرن عمود. من هنا تأتي خطوة التكتل.
التلبيد وإنتاج الكريات
التلبيد (sintering) تجميع ناعم الخام مع نسيم الكوك والجير على سرير متحرّك، ثم إشعال السطح وسحب الهواء عبر الطبقة حتى تتلبد الحبيبات في كعكة مسامية تُكسَّر إلى مقاس يناسب الفرن العالي. يجري التلبيد عادة في مصنع الحديد نفسه، ويستفيد من نواعمه ومن غباره المرتد.
التكوير ينتج كريات (pellets): يُخلط المركّز مع عائق مثل البنتونيت، ويُدوَّر في أقراص أو طبول حتى تتكون كرات بقطر نحو سنتيمتر، ثم تُصلَّب بالحرارة في محطة تحميص، غالبًا قرب المنجم. الكريات أكثر انتظامًا وأعلى حديدًا وأقل شوائب من كثير من الخام الملبد، ولذلك تُفضَّلها مفاعلات الاختزال المباشر التي لا تملك مرحلة خبث تفصل السيليكا داخلها. الفرن العالي يقبل الاثنين، ولكل منهما أثر في نفاذية العمود واستهلاك الوقود.
إعداد الوقود والمواد المضافة
إلى جانب الخام يُجهَّز الكوك بمقاس يوازن بين مساحة التفاعل والنفاذية، ويُكسَّر الحجر الجيري إلى مقاس متوافق، وتُضبط رطوبة الشحنة. اضطراب المقاس أو كيمياء الدفعة يظهر داخل الفرن على شكل قنوات غاز أو هبوط غير منتظم أو خبث لزج. استقرار الإنتاج يبدأ من مواصفات الداخل، لا من لحظة الإشعال.
اقرأ أيضاً
كيف يُستخرج الحديد من خاماته؟
هذا قلب الصناعة. المسار التجاري الأكبر ما يزال الفرن العالي. المسار الأوسع نموًا حيث يتوفر الغاز هو الاختزال المباشر. كلاهما اختزال، ولا ينتج أي منهما فولاذًا نهائيًا.
استخلاص الحديد في الفرن العالي

الفرن العالي (blast furnace) برج مبطّن بالمقاومات الحرارية، يُشحَن من أعلاه بالخام المتكتل والكوك والمواد الصهارة، ويُنفخ من أسفله هواء ساخن قد تتجاوز حرارته 1100 °م، وغالبًا ما يُثرى بالأكسجين. العبء الصلب يهبط، والغاز يصعد. هذا التيار المعاكس هو فكرة الفرن: الغاز الحار يسخّن الشحنة الباردة ويفقد جزءًا من قدرته الاختزالية في الطريق، والشحنة الداخلة تلتقي أولًا غازًا أبرد وأقل اختزالًا، ثم تنزل إلى مناطق أحرّ وأكثر اختزالًا.
في الأسفل، عند منطقة اللفح، يحترق الكربون. الصورة المبسّطة المتداولة هي أن الأكسجين يكوّن ثاني أكسيد الكربون ثم يختزله الكوك الساخن فورًا إلى أول أكسيد الكربون، وهو تفاعل بودوار:
أول أكسيد الكربون المتصاعد يختزل الأكاسيد على مراحل، لا في قفزة واحدة من الهيماتيت إلى الحديد. التتابع التقريبي مع أول أكسيد الكربون:
والمعادلة التي تختصر المسار كله، وهي التي تكفي للقارئ غير المختص بشرط ألا تُؤخذ على أنها التفاعل الوحيد الجاري:
فوق نحو 570 °م يظهر الووستيت (FeO) بوصفه الوسيط المهيمن، وخطوة تحويله إلى حديد هي الأبطأ والأكثر التصاقًا بتوازن الغاز. الغاز الذي يقترب تركيبه من حد التوازن مع الووستيت يكاد يتوقف عن الاختزال ولو كان ما يزال يحمل أول أكسيد الكربون. لذلك يغادر أعلى الفرن غاز فيه نسبة معتبرة من CO غير المستهلك، ويُسترد هذا الغاز وقودًا في مواقد الهواء الساخن أو في محطة الكهرباء الداخلية. جزء من الاختزال في المناطق الأشد حرارة يتم بالكربون الصلب مباشرة، منتجًا أول أكسيد الكربون. الهيدروجين الآتي من رطوبة الهواء أو من حقن الغاز الطبيعي يسلك مسارًا موازيًا وينتج بخار ماء لا ثاني أكسيد كربون.
الكوك إذن ليس موقدًا تحت القدر. هيكله يحمل الشحنة، واحتراقه يرفع درجة المنطقة السفلى حتى ينصهر الحديد والخبث، وغازاته تختزل. الهواء الساخن يوفّر الأكسجين ويُدخل حرارة محسوسة تُخفّض كمية الكوك اللازمة. كل توفير في الوقود له حد: لا بد من حرارة تكفي للصهر، ولا بد من غاز مختزل يكفي لنزع الأكسجين، ولا بد من نفاذية تمنع الاختناق.
الشوائب لا تختفي بالحرارة. الجير يتحد معها في خبث سائل يتجمع فوق الحديد في البوتقة لانخفاض كثافته، ويُفتح كل منهما من مجرى. النواتج ثلاثة: حديد غفل منصهر، وخبث، وغاز فرن يُنظَّف ويُستعمل. الحديد الغفل في هذه اللحظة ما يزال حاملًا كربونه العالي. من يقول إن الفرن العالي «يُنتج الفولاذ» يقفز فوق مرحلة المحول بأكملها.
إنتاج الحديد بالاختزال المباشر

الاختزال المباشر (direct reduction) ينزع الأكسجين من الخام دون صهر المعدن. الناتج حديد مختزل مباشرة (DRI)، صلب، مسامي، ودرجة التمعدن فيه، أي نسبة الحديد الفلزي إلى الحديد الكلي، تقع في التشغيل التجاري الجيد غالبًا فوق 90%. إذا كُبس وهو ساخن في قوالب كثيفة صار حديدًا مقولبًا على الساخن (HBI)، أسهل في الشحن وأقل قابلية لإعادة التأكسد من الإسفنج الناعم.
المفاعل الأشيع برج تُهبط فيه الكريات، ويصعد فيه الغاز المختزل. مصدر هذا الغاز في الوحدات التجارية الكبرى هو الغاز الطبيعي بعد الإصلاح، أي خليط H2 وCO، لا الهيدروجين النقي بالضرورة. هناك عمليات قائمة على الفحم في أفران دوّارة أو غيرها، ونسبتها في التجارة العالمية أقل من مسار الغاز. المعادلة المقابلة عند استخدام الهيدروجين:
هنا يكون الناتج الغازي بخار ماء، لا ثاني أكسيد كربون. هذا صحيح كيمياء الاختزال فقط. إن كان الهيدروجين مصنوعًا من الغاز الطبيعي بإصلاح ينطلق منه CO2، أو كانت الكهرباء المستخدمة في التحليل الكهربائي مولَّدة بالفحم، فإن الانبعاث انتقل إلى خارج وحدة الاختزال ولم ينعدم. الحديد المختزل يذهب بعد ذلك، في الأغلب، إلى فرن قوس كهربائي ليُصهر ويُحوَّل إلى فولاذ. هو وسيط، كالغفل، وإن اختلفت حالته الفيزيائية وشوائبه.
ما الفرق بين الفرن العالي والاختزال المباشر؟
| وجه المقارنة | الفرن العالي | الاختزال المباشر بالغاز |
|---|---|---|
| حالة الناتج | حديد غفل منصهر | حديد صلب مسامي أو مقولب |
| العامل المختزل الرئيس | كوك وغازاته، مع حقن ممكن للفحم أو الغاز | H2 وCO من الغاز الطبيعي في المسار التجاري الشائع، أو هيدروجين في المسارات الجديدة |
| فصل الشوائب | خبث سائل داخل الفرن | الشوائب تبقى في الحبيبة وتُفصل لاحقاً في فرن الفولاذ |
| شكل الخام المفضل | ملبد وكريات وفحم كوك بمقاس مناسب | كريات عالية الحديد منخفضة الشوائب في الغالب |
| الخطوة التالية المعتادة | محول أكسجين | فرن قوس كهربائي |
| موضع الكربون | داخل العملية نفسها وقوداً ومختزلاً | أقل في الاختزال بالغاز، وينتقل جزء من الأثر إلى إنتاج الغاز والكهرباء |
لا يُستنتج من الجدول أن أحد المسارين أفضل في كل موقع. الفرن العالي ما زال الأنسب حيث يتوفر فحم الكوك وخامات متنوعة وطلب هائل على الفولاذ المسطح ضمن مجمع متكامل. الاختزال بالغاز أنسب حيث يكون الغاز أرخص من الفحم المعدني، وحيث تُستورد كريات جيدة، كما في أجزاء من الشرق الأوسط. الانبعاثات تتبع مصدر المختزل والكهرباء، لا اسم التقنية على واجهة المصنع.
يختصر الشرح التمهيدي الفرن في «تسخين الخام حتى يسيل الحديد»، فيجمع ثلاث وظائف لا تتلازم دائمًا: نزع الأكسجين، والصهر، وفصل الشوائب في خبث. الفرن العالي يؤدي الثلاث معًا، لذلك يخرج منه غفل منقّى نسبيًا من العُصارة الصخرية، لكن الكربون فيه ما يزال مرتفعًا. الاختزال المباشر يؤدي الوظيفة الأولى فقط، فيبقى المعدن صلبًا وتبقى أكاسيد الشوائب داخل الحبيبة، فيرتفع حجم الخبث واستهلاك الطاقة حين تُصهر لاحقًا. وثمة قيد كيميائي لا يزيله تحسين المردود: إذا ended الكربون في صورة CO2، فإن اختزال الهيماتيت إلى حديد يفرض حدًا أدنى قريبًا من 0.59 طن من ثاني أكسيد الكربون لكل طن حديد، بحساب الكتلة المولية للتفاعل 2Fe2O3+3C→4Fe+3CO2، قبل تكليس الجير وأفران الكوك والتلبيد وفقد الحرارة. غاز الفرن الحقيقي يغادر وفيه أول أكسيد الكربون، لأن توازن الووستيت وتجديد CO على سطح الكوك يرفعان استهلاك الكربون فوق هذا الحد الحسابي. لذلك يُحسّن رفع الكفاءة طن CO2 لكل طن، ولا يُقرّب المسار الكربوني من الصفر ما دام الكربون هو الذي ينتزع الأكسجين.
اقرأ أيضاً
- طاقة التنشيط: كيف تتحكم في سرعة التفاعلات الكيميائية؟
- معادلة أرهينيوس: كيف تفسر سرعة التفاعلات الكيميائية؟
الحساب السابق اشتقاق من أوزان ذرية معروفة (الحديد 55.845، الكربون 12.011، الأكسجين 16.00 تقريبًا في هذا التقدير)، لا قياسًا على مدخنة مصنع بعينه. القياس الفعلي أعلى، لأنه يضم سلسلة أطول من هذا التفاعل المثالي.
كيف يتحول الحديد إلى فولاذ؟
لماذا يحتاج الحديد الغفل إلى معالجة؟
فولاذ الإنشاءات الشائع قد يحتوي أقل من 0.3% كربون، وبعض درجات السحب العميق أقل من ذلك بكثير، بينما الغفل قرب 4%. السيليكون الذي يساعد الصهر في الفرن العالي يُزعج كثيرًا من درجات الفولاذ إذا بقي مرتفعًا. الفوسفور والكبريت يُضعفان المتانة في ظروف محددة. صناعة الفولاذ هي إنزال هذه العناصر إلى نافذة ضيقة، لا إعادة صهر للمعدن نفسه. الحد الفاصل التقليدي بين الفولاذ والحديد الزهر يقع قرب 2% كربون، وهو حد ميتالورجي يرتبط بسلوك التصلب وظهور الغرافيت أو السمنتيت، لا مجرد عرف تجاري.
محول الأكسجين الأساسي

في محول الأكسجين الأساسي (basic oxygen furnace, BOF) تُصب شحنة من الحديد الغفل السائل، غالبًا مع نسبة من الخردة تتراوح عمليًا حول العُشر إلى ربع الشحنة بحسب حرارة الغفل ومحتوى السيليكون. تُضاف الجير ومواد خبث، ثم يُنفخ أكسجين عالي النقاوة عبر أنبوب مبرد من الأعلى. الأكسجين يحرق السيليكون والمنغنيز والكربون، والحرارة المنطلقة من هذه الأكسدة هي وقود العملية. الخردة في هذا السياق مبرّد ضروري حتى لا ترتفع حرارة الحمام فوق ما تتحمله البطانة، وهي في الوقت نفسه مصدر حديد معاد تدويره.
الكربون يخرج في صورة غاز، وأكاسيد العناصر الأخرى تنتقل إلى خبث قاعدي. نفخة الأكسجين نفسها قد تستغرق نحو ربع ساعة، والدورة كلها أقصر كثيرًا من أفران المجمرة المفتوحة التي حلّ محلها هذا المسار في النصف الثاني من القرن العشرين. الناتج فولاذ منصهر ما يزال يحتاج، في كثير من الدرجات، إلى ضبط أدق خارج المحول. المحول لا يختزل خامًا؛ من يدخله خام أكسيد كما يدخل الفرن العالي لا يحصل على نتيجة المحول.
فرن القوس الكهربائي

فرن القوس الكهربائي (electric arc furnace, EAF) وعاء تُشحَن فيه الخردة، أو الحديد المختزل، أو الغفل، أو مزيج منها. تنزل أقطاب من الغرافيت ويقفز قوس كهربائي عالي التيار يولّد حرارة تكفي للصهر. تُحقن كميات من الأكسجين والكربون والغاز للمساعدة الحرارية ولتكوين خبث يغطّي الحمام ويضبط بعض الشوائب. الدورة في الأفران الحديثة قد تقارب 40 إلى 60 دقيقة بحسب حجم الفرن ونوع الشحنة.
هذا الفرن وحدة صناعة فولاذ، لا وحدة استخلاص أولي من الأكسيد، إلا بقدر ما يُكمل اختزال ما تبقى من أكسيد داخل الحديد المختزل. يمكن تشغيله على خردة فقط، وهذا شائع حيث تتوفر الخردة بالكهرباء المناسبة. الحديد المختزل يُخفّف العناصر المتبقية الآتية من الخردة، لكنه يجلب معه الشوائب الأكسيدية التي لم تُفصل في الاختزال، فتزداد كمية الخبث. المعهد الأميركي للحديد والفولاذ ينبّه إلى أن جزءًا كبيرًا من انبعاثات هذا المسار مرتبط بكيفية توليد الكهرباء، وبانبعاثات صناعة الحديد المختزل أو الغفل إذا دخلا الشحنة، لا بالقوس وحده.
التنقية الثانوية وضبط التركيب
بعد الفرن الرئيس، سواء كان محولًا أو قوسًا، تُنقل البوتقة إلى محطة تنقية ثانوية. هناك تُضاف عناصر السبك بالكميات الصغيرة التي لا يحتملها الفرن الأول بدقة، ويُزال الأكسجين المذاب بالألومنيوم أو السيليكون أو غيرهما حتى لا يكوّن فقاعات ومحتويات ضارة عند التصلب، وقد تُخلَّل الكبريت إلى مستويات شديدة الانخفاض، وتُنزع الغازات كالهيدروجين تحت التفريغ في الدرجات الحساسة للتشقق. تُقاس الحرارة والتركيب قبل الصب. الفرق بين فولاذ عادي وفولاذ أنظف لمتطلبات خاصة يُحسم غالبًا هنا، لا في شكل الفرن العالي.
لماذا تختلف أنواع الفولاذ وأساسها واحد؟
الكربون يرفع المقاومة ويقلل الليونة إذا زادت نسبته ضمن مجال الفولاذ. الكروم فوق نحو 10.5% يصنع الطبقة السلبية التي يقوم عليها الفولاذ المقاوم للصدأ. النيكل يثبّت بنية أوستنيتية أفضل تشكيلًا في البرد. المعالجة الحرارية تعيد توزيع الكربون بين الفريت والبرليت والمارتنسيت، فتتغير الصلادة من دون أن تتغير الكيمياء الكلية. لذلك تتفرع الدرجات من قاعدة حديدية واحدة من دون أن تكون «أنواعًا من خام الحديد».
اقرأ أيضاً
كيف يتحول الفولاذ المنصهر إلى منتجات معدنية؟
الصب المستمر

الصب المستمر (continuous casting) سكب الفولاذ من البوتقة عبر موزع إلى قالب نحاسي مبرد بالماء، مفتوح من الأسفل. تتكون قشرة صلبة عند الجدار بينما القلب ما يزال سائلًا، ويُسحَب الشريط باستمرار، ثم يُقطع إلى أطوال. الناتج نصف نهائي: بلاطة (slab) للصفائح، أو بلوم (bloom) للمقاطع الأكبر، أو بليت (billet) للقضبان والأسلاك. التحكم في سرعة السحب والتبريد ومنع الأكسدة عند السطح يحدد الشقوق الداخلية ونقاوة السطح. بيانات جمعية الفولاذ العالمية عن عام 2024 تشير إلى أن الصب المستمر شكّل نحو 97.5% من الفولاذ الخام، أي أن صب السبائك التقليدي أصبح الاستثناء.
الدرفلة على الساخن
الدرفلة على الساخن (hot rolling) إمرار المعدن وهو في مجال الحرارة العالية بين درافيل تقلل سُمكه أو تغيّر مقطعه. البلاطة تصير صفيحة أو لفة ساخنة، والبليت يصير قضيب تسليح أو قضيبًا دائريًا أو سلك آلة. التشوه يكسر بنية الصب الخشنة ويُغلق بعض المسامية إذا كان المعدن سليمًا من الأصل. درجة الحرارة ونسبة التخفيض في كل ممر تقرران حجم الحبيبات، وبالتالي جزءًا من المتانة. الدرفلة لا تُصلح تركيبًا كيميائيًا خاطئًا؛ هي تشكّل ما سبق ضبطه.
الدرفلة على البارد وما بعدها
الدرفلة على البارد (cold rolling) تتم قرب درجة حرارة الغرفة على منتج كان قد دُرفل ساخنًا ثم نُظّف. التخفيض البارد أدق في السُمك وأنعم في السطح، ويُصلّب المعدن بالتشكيل فيحتاج غالبًا إلى تلدين يعيد له ليونته. القشور الأكسيدية تُزال بالتخليل الحمضي قبل ذلك أو بعده بحسب الخط. ثم قد يُجلفن الصاج بالزنك، أو يُطلى بالقصدير، أو يُدهن. هذه مرحلة حماية سطح، وهي غير مرحلة صناعة السبيكة وغير مرحلة تشكيل مقطعها.
شكل المنتج الأخير يتبع الطلب: مقطع إنشائي، أو صفيحة بدن، أو سلك، أو أنبوب ملحوم من شريط. يتبع أيضًا نوع الفولاذ، لأن بعض الدرجات لا تحتمل التخفيض البارد الشديد، وبعضها يُشترى خشنًا للاستعمال في البناء حيث لا يهم مظهر السطح.
اقرأ أيضاً
ما أنواع المنتجات الناتجة؟
الحديد الغفل يبقى في الأغلب داخل سلسلة الفولاذ. إذا جُمّد وبيع، فمشتروه مسبك أو مصنع فولاذ آخر، لا ورشة تبحث عن لوح جاهز. قطعة الحديد الزهر شيء آخر: سبائك رمادية تتفوق في امتصاص الاهتزاز وسهولة الصب، وسبائك عقدية أقرب إلى المتانة مع احتفاظها بقابلية السباكة. اختيارها يكون حيث يخدم شكل الغرافيت وظيفة القطعة، لا لأن «الزهر أرخص صور الحديد» على إطلاق.
أما الفولاذ فيُصنَّف بأكثر من محور. بحسب التركيب هناك فولاذ كربوني، وفولاذ سبائكي، وفولاذ مقاوم للصدأ، وفولاذ أدوات عالي الصلادة. وبحسب الاستخدام هناك فولاذ إنشاء، وأوعية ضغط، وقضبان سكك، وصفائح سيارات. وبحسب البنية المجهرية هناك تصنيفات أدق لا تلغي السابقة. القائمة وسيلة إرشاد لا شجرة وحيدة.
ما يراه الناس من هذه الصناعة هو الناتج المشكَّل: قضبان تسليح الجسور، وكمرات الهياكل، والصفائح واللفائف، والأنابيب، والأسلاك، وأجزاء العربات والآلات، ومكونات أبراج النقل والخزانات. ربط الاسم بالشيء أوضح من حفظ أسماء الأفران وحدها: كل منتج من هذه مرّ على ضبط كيميائي ثم تصلب ثم تشوه ميكانيكي، لا على «سكب حديد» فحسب.
اقرأ أيضاً
كيف تتحكم المصانع في الجودة؟
التركيب الكيميائي يغيّر السلوك قبل أن يغيّره شكل القطعة. زيادة الكربون ترفع المقاومة وتخفض الاستطالة وقابلية اللحام. المنغنيز يعوّض بعض ذلك ضمن حدود. الكبريت والفوسفور، إن ارتفعا، يُضعفان السلوك في اتجاه الدرفلة أو في الصدم. لا يكفي النظر إلى سطح لامع للحكم؛ قد يخفي السطح محتوى كبريتيًا أو تشققًا داخليًا.
في لحام الفولاذ الكربوني لا يقرر الكربون وحده خطر التصلد في المنطقة المتأثرة بالحرارة. صيغة المعهد الدولي للحام، بصيغتها الشائعة، تجمع أثر عناصر أخرى في مكافئ كربوني تقريبي:
الرموز نسب مئوية وزنية. ارتفاع المكافئ يعني أن اللحام السريع التبريد قد ينتج بنية قاسية قابلة للتشقق، فيُشترط تسخين مسبق أو ضبط لإدخال الحرارة. هناك صيغ أخرى، والغرض هنا بيان أن «جودة الحديد» ليست رقم كربون واحدًا.
حراريًا، تُراقب درجة الغفل والصلب والخبث، لأن توازن الكبريت والفوسفور ينزاح مع الحرارة والقاعدية. في الصب المستمر يُراقب التبريد حتى لا تنحبس منطقة سائلة طويلة تُمزّق الشريط. بين دفعة وأخرى يُعاد التحليل حتى يبقى الانحراف داخل سماحية المواصفة.
الأدوات العملية، من دون تحويل المصنع إلى مختبر معروض: تحليل طيفي للعينة، واختبار شد يُعطي مقاومة الخضوع والمقاومة القصوى والاستطالة، واختبار صدم حيث تهم المتانة في البرد، وقياس أبعاد، وفحص سطح. العيوب الداخلية التي لا تظهر على الوجه تُكشف عند الحاجة بالموجات فوق الصوتية أو بتيارات دوامية أو بالجسيمات المغناطيسية، وهي وسائل فحص غير إتلافي. المواصفة، أوروبية أو أميركية أو دولية أو خاصة بالمشروع، هي التي تقول أي رقم مقبول. المنتج الذي يفشل في الاستطالة مرفوض ولو كانت كيمياءه «قريبة».
اقرأ أيضاً
لماذا يختلف مسار الإنتاج في البلدان العربية عن المتوسط العالمي؟
في عام 2025 أنتجت السعودية 10.8 مليون طن من الفولاذ الخام، بزيادة 12.3% عن 9.6 مليون طن في 2024، وأنتجت مصر 10.6 مليون طن بانخفاض 0.8% عن 10.7، والجزائر 5.3 مليون طن (رقم مقدَّر لدى الجمعية) بزيادة 17.9% عن 4.5، والإمارات 3.8 مليون طن بزيادة 3.3% عن 3.7، والعراق وعُمان 3.0 مليون طن لكل منهما. مجموع هذه الدول الست، وهي التي ظهرت في جدول الجمعية للأربعين الأوائل، 36.5 مليون طن في 2025 مقابل 34.5 في 2024، أي زيادة 2.0 مليون طن أو نحو 5.8% بحساب المقالة على الأرقام المنشورة. هذا المجموع يساوي 1.97% من الإنتاج العالمي البالغ 1849.4 مليون طن. قطر والبحرين والكويت والمغرب وليبيا وتونس ليست في هذا الجدول المفصّل، فلا ينبغي اختلاق إنتاجها لعام 2025؛ في 2024 كان إنتاج الدول العربية مجتمعة، بحسب الاتحاد العربي للحديد والصلب نقلًا عن إحصاءات الصناعة، قريبًا من 40.8 مليون طن.
| الدولة | الإنتاج 2025 (مليون طن) | الإنتاج 2024 (مليون طن) | نسبة التغير | ملحوظة |
|---|---|---|---|---|
| السعودية | 10.8 | 9.6 | +12.3% | الأعلى عربياً في 2025 |
| مصر | 10.6 | 10.7 | -0.8% | شبه مستقر |
| الجزائر | 5.3 (رقم مقدَّر) | 4.5 | +17.9% | أعلى نسبة نمو في القائمة |
| الإمارات | 3.8 | 3.7 | +3.3% | فرن قوس كهربائي بالكامل تقريباً |
| العراق | 3.0 | — | — | ضمن الأربعين الأوائل عالمياً |
| عُمان | 3.0 | — | — | ضمن الأربعين الأوائل عالمياً |
| المجموع: 36.5 مليون طن في 2025 مقابل 34.5 في 2024 (نحو 5.8%+)، أي 1.97% من الإنتاج العالمي البالغ 1849.4 مليون طن | ||||
الصورة التي لا تظهر في أطنان الدول وحدها هي نوع الفرن. جدول «World Steel in Figures 2026» يعطي للشرق الأوسط 57.3 مليون طن في 2025، منها 95.5% في الفرن الكهربائي و4.5% فقط في محول الأكسجين. حصة إيران، وهي 32.0 مليون طن منها 8.1% بمحول الأكسجين، تساوي نحو 2.6 مليون طن. وحصة المحول في الشرق الأوسط كله، 4.5% من 57.3، تساوي نحو 2.6 مليون طن أيضًا. الفارق يقع داخل التقريب. الاستنتاج المشتق من هذا التطابق أن إنتاج المحول في الإقليم ذلك العام متمركز في إيران، وأن بقية إنتاج الشرق الأوسط المدرج، ومنه إنتاج السعودية البالغ 10.8 مليون طن ومجموعة «بقية الشرق الأوسط» التي تضم الإمارات وعُمان وقطر وغيرها، سار عبر الفرن الكهربائي.
إغلاق مشابه في أفريقيا: 11% من 29.8 مليون طن تعني نحو 3.3 مليون طن بمحول الأكسجين، تكاد تستنفدها جنوب أفريقيا (نصف إنتاجها تقريبًا من 4.5 مليون طن) و«بقية أفريقيا» (6.8% من 14.6 مليون طن). لا يتبقى لمصر، ضمن هذا الجدول، حصة ذات شأن لمحول الأكسجين، وهو ما يتسق مع إدراج إنتاجها في المسار الكهربائي. الجزائر داخلة في «بقية أفريقيا»، والجدول لا يفصل عملية إنتاجها، فلا يُنسب إليها من هذا الحساب مسار بعينه؛ مجمع الحجار تاريخيًا عرف الأفران العالية إلى جانب مسارات أخرى، والتحقق من نسبته في 2025 يحتاج بيانًا خاصًا به.
معنى المقارنة أن نحو 30.3% فقط من فولاذ العالم في 2025 جاء من الفرن الكهربائي، مقابل 69.4% من محول الأكسجين، بينما الشرق الأوسط عند 95.5%. المتوسط العالمي يصنعه وزن آسيا، حيث بلغت حصة المحول 79.9%. المنطقة العربية الخليجية لا تمثّل «تصغيرًا للعالم»، بل اختيارًا فرضه الغاز الطبيعي وندرة فحم الكوك المحلية واستيراد الكريات: اختزال مباشر ثم فرن كهربائي. هذا الخيار يخفض الارتباط بفحم الكوك، ولا يجعل طن الفولاذ منخفض الانبعاثات تلقائيًا.
المثال الموثق في أبوظبي هو مجموعة إمستيل (EMSTEEL)، وريثة حديد الإمارات. تعمل وحداتها التجارية بالاختزال المباشر بتقنية إنرجيرون ثم فرن القوس، مع شحن الحديد المختزل ساخنًا، وبطاقة فولاذ معلنة بنحو 3.5 مليون طن سنويًا. في 28 أكتوبر 2024 أعلنت الشركة مع مصدر تشغيل مشروع تجريبي يستخدم الهيدروجين الأخضر بدل الغاز الطبيعي في استخلاص الحديد من الخام، ووُصف الناتج بأنه فولاذ أخضر على نطاق الريادة لا على نطاق إحلال الإنتاج التجاري. القدرة الإنتاجية للوحدة التجريبية وكلفة الطن لم تُنشرا في بيان التشغيل. الرئيس التنفيذي صرّح لصحيفة «ذا ناشيونال» بأن المشروع خطوة اختبار، لا خط إنتاج يمكن الحديث عن حجمه كما يُتحدث عن المصنع القائم. في 2025 اتفقت الشركة مع دانييلي على وحدة تسخين كهربائي تجريبية لغاز العملية في أحد مفاعلات الاختزال، بهدف خفض انبعاث هذا المفاعل من دون التحويل الكامل إلى الهيدروجين. القيمة المعرفية للمثال أن المنطقة تملك مسار غاز ناضجًا، وأن نقل هذا المسار إلى هيدروجين منخفض الانبعاثات ما زال في طور الوحدة التجريبية المعلنة، لا في طور استبدال 3.5 مليون طن.
وعلى مستوى العالم، انخفض الإنتاج من 1886.8 مليون طن في 2024 إلى 1849.4 في 2025، أي بنحو 37.4 مليون طن. الصين وحدها انخفضت من 1005.1 إلى 960.8، أي بنحو 44.3 مليون طن. الفرق يعني أن إنتاج بقية العالم ارتفع بنحو 6.9 مليون طن في السنة نفسها التي انكمش فيها الإجمالي. هذا وصف حسابي للتوزيع، لا تفسير وحيد لأسعار أو طلب. زيادة السعودية بنحو 1.2 مليون طن جزء صغير من تلك الزيادة خارج الصين، بينما هبوط مصر الطفيف سار عكس اتجاه الجزائر في الجدول نفسه. لا يُستنتج من ذلك «ازدهار إقليمي متجانس».
اقرأ أيضاً
- الاستثمار الأجنبي المباشر: كيف يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي؟
- حساب الناتج المحلي الإجمالي: المكونات، الطرق، وأهميته
كيف تطورت صناعة الحديد عبر التاريخ؟
لأزمنة طويلة أُنتج الحديد في أفران اختزال صلبة، تُعرف في الأدبيات بأفران البلوم، تُخرج كتلة إسفنجية مختلطة بالخبث تُطرق طَرقًا لطرد الشوائب. لم يكن الناتج سائلًا، ولم يكن فولاذًا مضبوط الكربون بالمعنى الحديث. الانتقال إلى إنتاج حديد سائل في أفران أعلى قدرة مرتبط في الصين بقرون مبكرة من التقويم الميلادي، وفي أوروبا بالعصور الوسطى المتأخرة، وتفاصيل الأسبقية بين المواقع ما تزال موضع نقاش أثري؛ ما يستقر وظيفيًا هو أن الحديد السائل الغني بالكربون غيّر حجم الإنتاج وأوجد وسيطًا يمكن تحويله لاحقًا.
توسيع الأفران العالية في العصر الصناعي ارتبط بتوفر فحم الكوك بدل الفحم النباتي، ثم بسخونة الهواء المنفوخ في القرن التاسع عشر. تحويل الغفل إلى فولاذ على نطاق واسع ارتبط بعمليات نفخ الهواء ثم الأكسجين، وبفرن المجمرة المفتوحة الذي ساد عقودًا ثم انحسر. عملية لينتس–دونافيتس في أوائل الخمسينيات أسست الشكل التجاري لمحول الأكسجين الأساسي. أفران القوس الكهربائية عُرفت تجاريًا منذ مطلع القرن العشرين لصهر الخردة والدرجات الخاصة، ثم اتسع دورها مع توفر الكهرباء والخردة. الصب المستمر، حين عمّ في أواخر القرن العشرين، ألغى قدرًا كبيرًا من إعادة التسخين والقصّ الذي كان يلازم السبائك المفردة.
| المرحلة الزمنية | التقنية أو الحدث | طبيعة الناتج | الأثر على الصناعة |
|---|---|---|---|
| عصور مبكرة | أفران البلوم (اختزال صلب) | كتلة إسفنجية تُطرق لطرد الشوائب | حديد غير سائل، وغير مضبوط الكربون |
| قرون مبكرة م | أفران أعلى قدرة في الصين | حديد سائل غني بالكربون | بداية إنتاج وسيط قابل لإعادة التحويل |
| العصور الوسطى المتأخرة | انتشار الفرن العالي في أوروبا | حديد غفل سائل | توسع الإنتاج خارج آسيا |
| القرن 19 | فحم الكوك بدل الفحم النباتي والهواء الساخن | حديد غفل بكميات أكبر | توسيع الأفران العالية في العصر الصناعي |
| مطلع القرن 20 | ظهور فرن القوس الكهربائي تجارياً | فولاذ منصهر من الخردة | بداية مسار مستقل عن الفرن العالي |
| أوائل الخمسينيات | عملية لينتس–دونافيتس | فولاذ من محول الأكسجين الأساسي | إحلال محول الأكسجين محل فرن المجمرة المفتوحة |
| أواخر القرن 20 | تعميم الصب المستمر | بلاطة أو بلوم أو بليت نصف نهائي | إلغاء إعادة التسخين وقصّ السبائك المفردة |
| 2020s | مشاريع الاختزال بالهيدروجين التجريبية | حديد مختزل بالهيدروجين منخفض الانبعاث | مرحلة ريادية، لا إحلال تجاري كامل بعد |
من ذلك التاريخ يخرج الاتجاه الحالي: رفع مردود الفرن العالي وحقن الغاز فيه من جهة، وبناء وحدات اختزال مباشر من جهة أخرى، ثم البحث عن مختزل لا ينتهي إلى CO2. هذا التحول الأخير ليس استكمالًا تلقائيًا لتحسن الكفاءة، للأسباب الكيميائية التي سبق حسابها.
اقرأ أيضاً
ما الأثر البيئي، وكيف يمكن تقليله؟
لماذا ترتبط الصناعة بانبعاث الكربون؟
في المسار التقليدي الكربون مختزل ووقود. كل ذرة أكسجين تُنتزع من خام الحديد بواسطة الكربون تنتهي، بعد احتراق الغازات، في جزيء ثاني أكسيد كربون. يضاف تكليس الكربونات، وأفران الكوك، والتلبيد، وتوليد الكهرباء المساعدة. جمعية الفولاذ العالمية، في مؤشرات جُمعت عام 2025 من شركات تمثل 959.5 مليون طن أي 51% من الإنتاج العالمي، تذكر متوسط كثافة ثاني أكسيد الكربون عند 1.92 طن لكل طن فولاذ خام، ومتوسط غازات الدفيئة عند 2.18 طن مكافئ، وكثافة طاقة عند 20.95 غيغاجول للطن. هذا متوسط مرجَّح لمسارات مختلفة ولعيّنة متطوعة، لا بصمة الفرن العالي وحده، ولا رقمًا صالحًا لكل دولة. الانبعاث المباشر من مدخنة المجمع غير الانبعاث غير المباشر من محطة الكهرباء التي تغذّي فرن القوس، وغير انبعاث صناعة الكريات أو الأقطاب أو السبائك. مقارنة طن «أخضر» بآخر من دون توحيد هذه الحدود مقارنة مضلِّلة.
تقديرات الوكالة الدولية للطاقة تضع القطاع في مرتبة الصناعات الثقيلة الأعلى إطلاقًا لثاني أكسيد الكربون، في حدود 7% من انبعاثات منظومة الطاقة إذا ضُمّت انبعاثات العمليات، مع بقاء الإجمالي في السنوات الأخيرة غير منخفض بالقدر الذي يوافق سيناريو الحياد الكربوني للوكالة. تقرير «أجندة الاختراق 2025» الصادر عنها يقول إن مسار الفرن العالي ومحول الأكسجين يمثّل نحو 70% من الإنتاج العالمي اليوم، وإن كثافة الانبعاث المباشر لم تنخفض منذ 2021 على نحو يغيّر هذا الوضع.
المخلفات
خبث الفرن العالي، إذا برد وفق مواصفات الاسمنت، يُطحن ويُستخدم مادة ربط تكميلية في الخرسانة. خبث المحول وفرن القوس أغنى بأكاسيد الحديد والجير الحر، وقد يصلح طبقات طرق أو قواعد بعد معالجة التمدد، ولا يصح تعميم استخدام خبث على خبث آخر. الغبار والوحل من تنظيف الغازات يُعاد بعضه إلى التلبيد، وبعضه، ولا سيما غبار فرن القوس الغني بالزنك بسبب الخردة المجلفنة، يحتاج معالجة خاصة لأنه يركز فلزات ثقيلة. مياه التبريد والتخليل تحمل حرارات وأملاحًا وحمضًا مستهلكًا، فتُدار في دوائر مغلقة ومعالجة لا في صرف مباشر. ما يُحسب «مخلفًا حتميًا» في تصميم قديم قد يكون تيارًا مستردًا في تصميم أحدث؛ التعميم على كل المصانع يخطئ في الاتجاهين.
إعادة التدوير
جمعية الفولاذ العالمية ومكتب إعادة التدوير الدولي يعاملان الخردة بوصفها مدخلًا رئيسًا لا برنامجًا هامشيًا. تقدير المكتب يضع الاستخدام السنوي للفولاذ المعاد تدويره قرب 630 مليون طن، وهو تقدير صناعي لا إحصاء مغلق لكل دولة. صهر الخردة يتجنب اختزال أكسيد جديد، لذلك تكون كثافة الانبعاث أقل بكثير من مسار الخام والكوك عندما تكون الكهرباء معقولة الانبعاث. غير أن الفولاذ يبقى في المباني والجسور عقودًا، فكمية الخردة المتاحة كل سنة تتبع ما بُني قبل جيل، لا ما يُطلب اليوم. النمو السكاني والعمراني يعني أن الخردة لا تغطي الطلب العالمي، وأن الإنتاج الأولي من الخام يستمر. ثم إن الخردة الملوثة بالنحاس لا تصنع كل الدرجات؛ إحلالها محل الخام له سقف جودة وسقف كمية معًا.
الاختزال بالهيدروجين
إذا كان الهيدروجين هو المختزل، فماء التفاعل لا يضيف كربونًا من العملية نفسها، ويمكن وصل الحديد المختزل بفرن قوس. هذا هو الاتجاه الذي تعتبره الوكالة الدولية للطاقة من الخيارات الأقرب إلى انبعاث شبه معدوم في المناطق التي يتوفر فيها الهيدروجين المنخفض الانبعاث. التقرير نفسه يقدّر أن المحطات التجارية المبكرة العاملة بمزيج هيدروجين كامل تكلّف اليوم أعلى من مسار الفرن العالي ومحول الأكسجين بنحو 50% إلى 140% بحسب الإقليم، وأن هذا الفارق يبطئ الانتشار. قدرة الحديد شبه المعدوم الانبعاث المتوقعة لعام 2030 بقيت، وفق التقرير، قرب 10 ملايين طن، فيما القدرة «القادرة» على ذلك تزيد قليلًا على 80 مليون طن، أكثرها سيبدأ بالغاز الطبيعي ومن دون جدول واضح للتحول الكامل. الهيدروجين المنخفض الانبعاث نفسه يتأخر عن خطط 2030 بسبب الكلفة والبنية التحتية وعدم اليقين التنظيمي، كما تعرضه مراجعات الوكالة لعام 2025.
الشرط إذن مركب: هيدروجين من كهرباء منخفضة الانبعاث أو من وقود أحفوري مع احتجاز محكم، وكهرباء فرن من المصدر نفسه، وكريات متاحة، وشبكة تستوعب حمل التحليل الكهربائي. إسقاط أي شرط يعيد الانبعاث إلى حلقة أخرى من السلسلة.
هل الفرن الكهربائي منخفض الانبعاثات بالضرورة؟
لا. الفرن الكهربائي الذي يصهر خردة على شبكة كثيفة الفحم قد ينقل الانبعاث إلى محطة التوليد. والفرن نفسه إذا صهر حديدًا مختزلًا بالغاز الطبيعي يحمل جزءًا من انبعاث الإصلاح والتسخين. والفرن إذا صهر حديدًا مختزلًا بالهيدروجين الأخضر على شبكة منخفضة الكربون يقترب من الحد الأدنى أكثر من غيره، ضمن قيود الخبث والعناصر المتبقية والكلفة. نوع الفرن ووسيلة توليد الكهرباء ومنشأ الحديد الداخل ثلاثة متغيرات مستقلة. تقرير الوكالة يفصلها عمليًا حين يميز القدرة «القادرة» على الانبعاث شبه المعدوم عن القدرة التي تعمل فعلًا على هذا النحو.
اقرأ أيضاً
- التغير المناخي: ما أسبابه وكيف يهدد حياتنا ومستقبلنا؟
- تلوث التربة: الأسباب، الآثار، والحلول
- الاقتصاد الأخضر (Green Economy): المفهوم، المبادئ، والتطبيقات
خرافات شائعة وحقائق علمية
❌ الخرافة: خام الحديد حديد فلزي، وتسخينه حتى ينصهر يعطي فولاذًا.
✅ الحقيقة: الخام مركبات، أغلبها أكاسيد. الصهر من دون اختزال لا ينزع الأكسجين، والاختزال في الفرن العالي يعطي حديدًا غفلًا لا فولاذًا مضبوط الدرجة.
❌ الخرافة: الحديد الغفل والحديد الزهر والفولاذ أسماء لمادة واحدة.
✅ الحقيقة: الغفل وسيط عال الكربون من الفرن العالي، والزهر عائلة سبائك تُصب بوصفها منتجًا، والفولاذ سبيكة أقل كربونًا في الاستعمال المعتاد وتُضبط عناصرها عن قصد.
❌ الخرافة: الاختزال المباشر يعني بالضرورة هيدروجينًا أخضر وفولاذًا منخفض الانبعاث.
✅ الحقيقة: الوحدات التجارية القائمة تعمل في الأغلب بالغاز الطبيعي، والناتج وسيط صلب لا فولاذ نهائي. الهيدروجين المنخفض الانبعاث مسار محدد، وأثره يتبع طريقة صنع الهيدروجين والكهرباء.
❌ الخرافة: فرن القوس الكهربائي نظيف لأن الطاقة فيه كهرباء.
✅ الحقيقة: الكهرباء تنقل الانبعاث إلى مزيج التوليد، وشحنة الحديد المختزل أو الغفل تحمل انبعاث صنعها، والأقطاب والحقن الغازي ليست بلا أثر. المعهد الأميركي للحديد والفولاذ يضع انبعاث الكهرباء في صلب تقييم هذا المسار.
❌ الخرافة: إعادة التدوير تغني عن خام الحديد.
✅ الحقيقة: الخردة تخفض الحاجة إلى الخام والطاقة، لكن عمر المنتجات يحدّ الكمية السنوية، والعناصر المتبقية تحدّ الدرجات التي تُصنع من خردة غير منتقاة. الإنتاج من الخام يبقى ضروريًا ما دام الطلب أعلى من الخردة المتاحة بالنقاوة المطلوبة.
التوصية العلمية من موقعنا
- افصل الاختزال عن الصهر في أي وصف. الخلط بينهما يجعل الفرن العالي وفرن الخردة والاختزال المباشر تبدو آلات متنافسة على الوظيفة نفسها، بينما الأول يختزل ويصهر، والثاني يصهر سبيكة، والثالث يختزل من دون صهر. هذا الفصل شرط لقراءة أي خبر عن «مصنع فولاذ أخضر».
- ابدأ من حد الكربون الكيميائي لا من شعار الكفاءة. ما دام المختزل كربونًا، فثمة ثاني أكسيد كربون مولي لا يُلغى بتحسين العزل أو رفع حرارة الهواء. مشاريع الكفاءة تستحق المتابعة لأنها تخفض الطن الفعلي نحو الحد الأدنى، لا لأنها تبلغ الصفر.
- اقرأ الانبعاث على حدود متطابقة. قارن مسارًا بمسار بعد تثبيت كون الحساب مباشرًا فقط أو شاملًا للكهرباء والكريات والهيدروجين. متوسط 1.92 طن لكل طن في عيّنة الجمعية رقم مرجعي عالمي مشروط بتغطيته، لا بطاقة تعريف لمصنع بعينه.
- عامل الخردة كمادة ذات تركيب لا ككمية فقط. النحاس والقصدير المتبقيان يقرران إن كانت الشحنة تصلح لقضيب تسليح أو لصفيحة سحب عميق. السؤال المعرفي الأدق هو أي درجة تُغلق أمام الخردة المتاحة، لا إن كانت إعادة التدوير «كافية» على الإطلاق.
- ميّز الغاز الطبيعي من الهيدروجين المنخفض الانبعاث. مسار الخليج التجاري الناضج يختزل بالغاز، والمشروع التجريبي في أبوظبي يختبر الهيدروجين على نطاق لم يُعلن حجمه. نقل أحكام أحدهما إلى الآخر يُضخّم نضج التحول أو يُهوّن من قيمة المسار الغازي في موضعه.
- تتبع طنًا واحدًا عبر الأسماء الوسيطة. خام، ثم ملبد أو كريات، ثم غفل أو حديد مختزل، ثم فولاذ سائل بعد التنقية، ثم بلاطة أو بليت، ثم منتج مدرفل. إذا تعذّر تسمية الوسيط في كل خطوة، فالسلسلة لم تُفهم بعد، مهما كثرت أسماء الأفران.
- عامل أرقام 2030 بوصفها خططًا لا طاقة عاملة. فارق الكلفة الذي تقدّره الوكالة بين 50% و140%، وبقاء الحديد شبه المعدوم الانبعاث قرب 10 ملايين طن مخططة لذلك العام، يعنيان أن المسار الكربوني سيبقى الغالب هذه السنوات. التخطيط المعرفي الذي يفترض العكس يخطئ في قراءة الصناعة كما هي، لا كما يُراد لها أن تصير.
يبقى خام الحديد صخرًا مؤكسدًا إلى أن ينتزع مختزل أكسجينه، ويبقى الحديد الغفل وسيطًا إلى أن تُضبط عناصره، ويبقى الفولاذ سبيكة لا تأخذ شكلها إلا بالصب والدرفلة. المسار الذي يؤدي ذلك بالكوك غير المسار الذي يؤديه بالغاز أو بالهيدروجين، والأثر المناخي يتبع المختزل ومصدر الكهرباء وحدود الحساب، لا اسم الفرن على بوابته. ما دام الطلب العالمي أعلى من الخردة النظيفة المتاحة، فسيبقى جزء من كل طن جديد مرتهنًا بطريقة نزع الأكسجين من الخام: بكربون له حد مولي لا يُمحى، أو بهيدروجين لا يُحسَب نظيفًا إلا إذا كان صنعه نظيفًا.
يستند هذا المقال إلى أحدث التقارير والمعايير الصناعية الرسمية المعتمدة:
- بيانات الإنتاج العالمي والإقليمي الصادرة عن جمعية الفولاذ العالمية (World Steel Association)، تقرير World Steel in Figures 2026
- توصيف مسارات الإنتاج الصادر عن المعهد الأميركي للحديد والفولاذ (AISI)
- تقديرات الانبعاثات ومسارات التحول الصناعي من الوكالة الدولية للطاقة (IEA) — تقريري Breakthrough Agenda وGlobal Hydrogen Review لعام 2025
- صيغة المكافئ الكربوني للحام المعتمدة من المعهد الدولي للحام (IIW)
- إحصاءات إعادة التدوير الصادرة عن مكتب إعادة التدوير الدولي (BIR)
- بيانات الإنتاج العربي الصادرة عن الاتحاد العربي للحديد والصلب
المصادر والمراجع
الأوزان المولية المستخدمة في حساب حد ثاني أكسيد الكربون أوزان ذرية قياسية، والتفاعلات المرحلية تمثيل مبسّط لكيمياء الفرن كما تُدرَّس في استخلاص الفلزات، لا حصيلة غاز مقاسة في فرن بعينه. أرقام الدول المعلَّمة في جدول الجمعية بأنها مقدَّرة (e) استُعملت كما نُشرت مع التنبيه إلى ذلك.
موقع خلية لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو فنية ناتجة عن استخدام المعلومات الواردة في هذا المحتوى دون الرجوع إلى المختصين المؤهلين والمصادر الرسمية المحدّثة.
أ. لمى اليوسف — خبيرة الكيمياء التطبيقية والنظرية
الدكتورة آية محمد شرابي — خبيرة علوم الأرض والجيولوجيا






