الصهارة (الماغما): ما حقيقة هذه المادة المنصهرة تحت أقدامنا؟
كيف تشكل الصهارة قلب كوكبنا الحي وتعيد تشكيل سطحه باستمرار؟

تحت أقدامنا مباشرة، في أعماق الأرض السحيقة، تغلي مادة منصهرة بدرجات حرارة تفوق الألف درجة مئوية. هذه المادة التي نسميها الصهارة تشكل المحرك الخفي لكوكبنا، فهي تدفع القارات وترفع الجبال وتنفجر عبر البراكين.
المقدمة
لقد أذهلتني دائمًا فكرة أن كوكبنا ليس كتلة صلبة جامدة كما قد نظن للوهلة الأولى. إن باطن الأرض يعج بالحياة الجيولوجية؛ إذ تتدفق الصهارة (الماغما) في أعماق سحيقة تصل إلى مئات الكيلومترات. فما هي هذه المادة الغامضة التي تملك القدرة على تشكيل معالم كوكبنا؟ الصهارة هي صخور منصهرة تحتوي على غازات ذائبة وبلورات معلقة، تتكون في الوشاح الأرضي والقشرة السفلية. تتراوح درجة حرارتها بين 700 إلى 1300 درجة مئوية، وتختلف في تركيبها الكيميائي بشكل كبير.
بالإضافة إلى ذلك، فإن دراسة الصهارة ليست مجرد فضول علمي. إنها تساعدنا على فهم الثورات البركانية، التنبؤ بالزلازل، واستكشاف الموارد المعدنية. منذ عام 2023، شهد العالم نشاطًا بركانيًا متزايدًا في أيسلندا وإندونيسيا، مما جدد الاهتمام بفهم آليات تكون وحركة الصهارة. كما أن التقنيات الحديثة مكنت العلماء من رصد حركة الصهارة بدقة غير مسبوقة، مما يفتح آفاقًا جديدة لعلوم الأرض في 2024 و2025.
ما هي الصهارة وما تركيبها الحقيقي؟
الصهارة تُعَدُّ مزيجًا معقدًا من ثلاثة مكونات أساسية تتفاعل معًا في ظروف شديدة القسوة. المكون الأول هو الصخور المنصهرة التي تشكل الجزء الأكبر من الصهارة، وتتكون من سيليكات معقدة تحتوي على عناصر مثل الأكسجين والسيليكون والألومنيوم والحديد والمغنيسيوم. المكون الثاني يشمل البلورات المعلقة التي لم تنصهر بالكامل أو بدأت تتشكل من جديد مع انخفاض طفيف في الحرارة. أما المكون الثالث فهو الغازات الذائبة، وأبرزها بخار الماء وثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت، وهذه الغازات تلعب دورًا حاسمًا في قوة الانفجارات البركانية.

Amadeu Blasco/ shutterstock
التركيب الكيميائي للصهارة يختلف اختلافًا جذريًا من موقع لآخر. بينما نجد صهارة غنية بالسيليكا في مناطق الاندساس (Subduction Zones) حول حواف المحيط الهادئ، نجد صهارة فقيرة بالسيليكا في مناطق الصدوع المحيطية. محتوى السيليكا يحدد لزوجة الصهارة بشكل مباشر؛ إذ تكون الصهارة الغنية بالسيليكا أكثر لزوجة وتميل للانفجار بعنف. على النقيض من ذلك، فإن الصهارة الفقيرة بالسيليكا تتدفق بسلاسة نسبيًا وتشكل بحيرات من اللافا المنصهرة. هذا الاختلاف يفسر لماذا تنفجر بعض البراكين بعنف شديد مثل بركان فيزوف، بينما تثور براكين أخرى بهدوء نسبي مثل براكين هاواي.
كيف تتكون الصهارة في أعماق الأرض؟
عملية تكوين الصهارة تنطوي على ثلاث آليات فيزيائية مختلفة، كل منها يحدث في سياق جيولوجي محدد. الآلية الأولى هي الانصهار بالتسخين (Decompression Melting)، وتحدث عندما ترتفع الصخور الساخنة من الوشاح نحو السطح؛ إذ ينخفض الضغط عليها بشكل تدريجي. مع انخفاض الضغط، تنخفض درجة انصهار الصخور، وبالتالي تبدأ بالذوبان دون إضافة حرارة إضافية. هذه العملية شائعة في مناطق الصدوع المحيطية وفوق النقاط الساخنة (Hot Spots).
من ناحية أخرى، فإن الآلية الثانية تتمثل في الانصهار بإضافة الماء (Flux Melting). وجود الماء يخفض درجة انصهار الصخور بشكل كبير، وهذا ما يحدث في مناطق الاندساس؛ إذ تغوص صفيحة محيطية تحت صفيحة قارية أو محيطية أخرى. الصخور المحيطية الغائصة تحمل معها كميات كبيرة من الماء المحتبس في معادنها، وعندما تصل لعمق كافٍ، تطلق هذا الماء الذي يتسرب إلى صخور الوشاح فوقها مسببًا انصهارها. الآلية الثالثة هي الانصهار بالتسخين المباشر (Heat Transfer Melting)، وتحدث عندما تلامس صهارة ساخنة صخورًا أبرد فتنصهر جزئيًا.
فقد أظهرت دراسات حديثة في 2024 أن تفاعل هذه الآليات أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. العلماء اكتشفوا باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة أن الماء لا يؤثر فقط على درجة الانصهار، بل يغير أيضًا التركيب الكيميائي للصهارة الناتجة. كما أن الأبحاث الجارية في 2025 تركز على فهم دور العناصر المتطايرة الأخرى مثل الكلور والفلور في عملية التكون. هل يمكن أن تكون هناك آليات أخرى لم نكتشفها بعد؟ الجواب هو نعم على الأرجح، فكل عام يأتينا بمفاجآت جديدة من عالم الجيولوجيا.
ما أنواع الصهارة الموجودة؟
يصنف الجيولوجيون الصهارة إلى أربعة أنواع أساسية بناءً على محتواها من السيليكا والتركيب الكيميائي العام:
النوع الأول: الصهارة البازلتية (Basaltic Magma)
- محتوى السيليكا: 45-52%
- اللزوجة: منخفضة جدًا
- درجة الحرارة: 1000-1200°م
- الموقع النموذجي: قاع المحيطات والنقاط الساخنة
- أمثلة: براكين هاواي، الصدوع المحيطية
النوع الثاني: الصهارة الأنديزيتية (Andesitic Magma)
- محتوى السيليكا: 52-63%
- اللزوجة: متوسطة
- درجة الحرارة: 800-1000°م
- الموقع النموذجي: مناطق الاندساس
- أمثلة: براكين جبال الأنديز، بركان فوجي باليابان
النوع الثالث: الصهارة الريوليتية (Rhyolitic Magma)
- محتوى السيليكا: 63-75%
- اللزوجة: عالية جدًا
- درجة الحرارة: 650-800°م
- الموقع النموذجي: القارات القديمة
- أمثلة: يلوستون، بحيرة توبا
هذا التصنيف ليس جامدًا تمامًا؛ إذ توجد أنواع انتقالية بين هذه الفئات. بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك نوعًا رابعًا نادرًا يسمى الصهارة الكربوناتية (Carbonatitic Magma)، وهي نادرة للغاية وتتكون من كربونات الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم. توجد هذه الصهارة في أماكن قليلة حول العالم، أشهرها بركان أولدونيو لينغاي في تنزانيا، وتثور بدرجات حرارة منخفضة نسبيًا (حوالي 500-600°م). لونها أسود عند الثوران، لكنها تتحول للون الأبيض بعد ساعات من التعرض للهواء، وهي ظاهرة مذهلة تجذب الباحثين من جميع أنحاء العالم.
أين توجد الصهارة وكيف تتوزع في باطن الأرض؟
الصهارة لا تملأ طبقات كاملة تحت القشرة الأرضية كما قد يتصور البعض. بل توجد في جيوب وغرف وعروق منفصلة تتشكل في مواقع جيولوجية محددة؛ إذ تتجمع الصهارة في ما يسمى غرف الصهارة (Magma Chambers) على أعماق تتراوح بين 1 إلى 50 كيلومترًا تحت السطح. هذه الغرف تختلف في حجمها بشكل هائل، من جيوب صغيرة بحجم غرفة إلى خزانات عملاقة تمتد لمئات الكيلومترات المكعبة.
الوشاح العلوي، الواقع بين 100 إلى 200 كيلومتر تحت السطح، يحتوي على نسبة صغيرة من الصهارة الجزئية (1-10% فقط). الصخور هناك ليست منصهرة بالكامل، بل تحتوي على جيوب صغيرة من الانصهار بين البلورات الصلبة. هذه الطبقة الجزئية المنصهرة تسمى الأسثينوسفير (Asthenosphere)، وهي طبقة بلاستيكية نسبيًا تسمح بحركة الصفائح التكتونية فوقها. وبالتالي، فإن الصهارة الموجودة في الأسثينوسفير تلعب دورًا حيويًا في ديناميكية الأرض.
من جهة ثانية، هناك تجمعات كبرى للصهارة تُعرف بالبلوتونات (Plutons)، وهي كتل ضخمة من الصهارة المتبلورة ببطء تحت السطح. أشهر مثال على ذلك هو باثوليث سييرا نيفادا في كاليفورنيا، الذي يمتد لمئات الكيلومترات ويمثل غرفة صهارة قديمة تبلورت تدريجيًا على مدى ملايين السنين. الجدير بالذكر أن الأبحاث الحديثة في 2023-2024 باستخدام التصوير الزلزالي كشفت عن خزان صهارة هائل تحت يلوستون يبلغ حجمه حوالي 46,000 كيلومتر مكعب، وهو أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا. هذا الاكتشاف غير فهمنا لكيفية تخزين الصهارة في القشرة الأرضية.
كيف تتحرك الصهارة من الأعماق نحو السطح؟
حركة الصهارة تخضع لقوانين الفيزياء الأساسية، وخاصة مبدأ الطفو وفرق الضغط. الصهارة أقل كثافة من الصخور المحيطة بها، وهذا يخلق قوة طفو تدفعها للأعلى تلقائيًا. فارق الكثافة يتراوح بين 200-400 كجم/م³ مقارنة بالصخور الصلبة، وهذا كافٍ لتوليد ضغط دافع كبير. لكن الصهارة لا تصعد دائمًا بشكل مستقيم؛ إذ تتبع مسارات معقدة عبر الشقوق والفوالق الموجودة في القشرة الأرضية.
عملية الصعود تمر بعدة مراحل. في البداية، تتجمع الصهارة في جيوب صغيرة في الوشاح أو أسفل القشرة. عندما تصل هذه الجيوب لحجم حرج، تبدأ بالصعود من خلال عملية تسمى التكسر الهيدروليكي (Hydraulic Fracturing)؛ إذ يولد ضغط الصهارة شقوقًا في الصخور الصلبة فوقها. تتسلل الصهارة عبر هذه الشقوق صاعدة تدريجيًا. وعليه فإن سرعة الصعود تختلف بشكل كبير حسب لزوجة الصهارة؛ إذ يمكن للصهارة البازلتية أن تصعد بمعدل عدة أمتار في الساعة، بينما تصعد الصهارة الريوليتية ببطء شديد قد يستغرق آلاف السنين.
إن وصلت الصهارة إلى غرفة صهارة قريبة من السطح، فقد تتوقف هناك لفترة طويلة. خلال هذه الفترة، تحدث عمليات مهمة تسمى التمايز الصهاري (Magmatic Differentiation)؛ إذ تبدأ البلورات الثقيلة بالترسب في قاع الغرفة، بينما تبقى المكونات الخفيفة في الأعلى. هذا يغير التركيب الكيميائي للصهارة بشكل تدريجي. كما أن الصهارة قد تختلط مع صهارة أخرى مختلفة التركيب، أو تذيب صخور الجدران المحيطة، مما ينتج تركيبات معقدة ومتنوعة. دراسات حديثة في 2024 استخدمت نماذج حاسوبية ثلاثية الأبعاد لمحاكاة حركة الصهارة، وكشفت أن الصهارة لا تتحرك في تيارات بسيطة بل في أنماط دوامية معقدة تؤثر على توقيت الثورات البركانية.
ما الفرق بين الصهارة واللافا؟
السؤال الذي يطرحه الكثيرون: هل الصهارة واللافا نفس الشيء؟ الإجابة بسيطة ومعقدة في نفس الوقت. الصهارة واللافا (Lava) تتكونان من نفس المادة الأساسية، لكن الفرق بينهما يكمن في الموقع. الصهارة هي الصخور المنصهرة الموجودة تحت سطح الأرض، بينما اللافا هي نفس المادة بعد أن تخرج على السطح. هذا التغيير في الموقع يصاحبه تغييرات فيزيائية وكيميائية مهمة.
عندما تصل الصهارة إلى السطح وتتحول للافا، يحدث تحول جذري. الضغط الهائل الذي كان يبقي الغازات ذائبة في الصهارة ينخفض فجأة، فتتحرر هذه الغازات بعنف. بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والكبريت تنطلق على شكل فقاعات، وهذا ما يسبب الانفجارات البركانية. اللافا أيضًا تبرد بشكل أسرع بكثير من الصهارة؛ إذ تتعرض للهواء أو الماء البارد. سرعة التبريد تؤثر على نوع الصخور المتكونة؛ إذ ينتج عن التبريد السريع صخور بلورات دقيقة أو زجاجية مثل الأوبسيديان (Obsidian).
بالمقابل، فإن الصهارة التي تبقى تحت السطح تبرد ببطء شديد على مدى آلاف أو ملايين السنين. هذا التبريد البطيء يسمح بنمو بلورات كبيرة، فينتج صخور مثل الجرانيت (Granite) الذي نراه في جبال كثيرة حول العالم. التركيب المعدني أيضًا يختلف؛ إذ تفقد اللافا معظم غازاتها، بينما تحتفظ الصهارة بها لفترة أطول. هذا وقد أظهرت دراسات في 2025 أن فقدان الغازات من اللافا يحدث على مراحل معقدة، وليس دفعة واحدة كما كان يُعتقد، مما يفسر أنماط الانفجارات المتقطعة في بعض البراكين.
لماذا يختلف سلوك البراكين باختلاف نوع الصهارة؟
سلوك البراكين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنوع الصهارة التي تغذيها. براكين الصهارة البازلتية تثور بهدوء نسبي، تتدفق اللافا منها على شكل أنهار منصهرة تتحرك ببطء يمكن للإنسان الهرب منه. هذه البراكين تشكل ما يسمى براكين الدرع (Shield Volcanoes)، وأشهر مثال عليها جزر هاواي. اللافا البازلتية تتدفق لمسافات طويلة قد تصل لعشرات الكيلومترات قبل أن تتجمد، مشكلة سهولاً واسعة.
على النقيض من ذلك، فإن براكين الصهارة الريوليتية تنفجر بعنف شديد ومدمر. اللزوجة العالية لهذه الصهارة تمنع الغازات من الهروب بسهولة، فيتراكم الضغط داخل البركان حتى ينفجر بقوة هائلة. الانفجار يقذف الرماد البركاني لارتفاعات قد تصل 30-40 كيلومترًا في الغلاف الجوي. هذه البراكين تشكل جبالاً مخروطية شديدة الانحدار تسمى البراكين المركبة (Stratovolcanoes)، مثل جبل فوجي وجبل سانت هيلينز.
الصهارة الأنديزيتية تقع في المنتصف، منتجة براكين متوسطة العنف. ثوراتها قد تكون متفجرة أو تدفقية حسب محتوى الغازات وظروف الثوران. فما هي العوامل الأخرى التي تؤثر؟ محتوى الماء في الصهارة يلعب دورًا حاسمًا؛ إذ يزيد من قوة الانفجار بشكل كبير. وكذلك عمق غرفة الصهارة وحجمها يحددان كمية المواد المقذوفة. بينما شهد العالم في 2022 ثوران بركان هونغا تونغا-هونغا هاباي، الذي كان أقوى انفجار بركاني في القرن الحادي والعشرين حتى الآن، قذف عمودًا من الرماد والبخار لارتفاع 58 كيلومترًا، محطمًا أرقامًا قياسية. تحليلات 2023-2024 لهذا الثوران كشفت أن تفاعل الصهارة مع مياه البحر ضاعف من قوة الانفجار، مما يوضح أهمية البيئة المحيطة.
كيف يدرس العلماء الصهارة ويتنبأون بالثورات البركانية؟
دراسة الصهارة تحدٍّ علمي كبير؛ إذ لا يمكننا النزول مباشرة لأعماق عشرات الكيلومترات لأخذ عينات. وعليه فإن العلماء طوروا مجموعة من التقنيات غير المباشرة لدراسة الصهارة. التقنية الأولى هي التصوير الزلزالي (Seismic Tomography)، الذي يشبه التصوير بالأشعة المقطعية للجسم البشري. يرسل العلماء موجات زلزالية عبر الأرض ويقيسون كيف تتباطأ أو تتسارع عند مرورها عبر مواد مختلفة. الصهارة تبطئ الموجات الزلزالية بشكل ملحوظ، مما يسمح برسم خرائط ثلاثية الأبعاد لغرف الصهارة.
التقنية الثانية تشمل القياسات الجيوفيزيائية مثل قياس الجاذبية والمجال المغناطيسي. تغيرات الجاذبية الطفيفة تكشف عن حركة الصهارة؛ إذ إن صعود الصهارة (الأقل كثافة) يقلل من قوة الجاذبية المحلية. أجهزة GPS الدقيقة تراقب تشوهات سطح الأرض؛ إذ إن ملء غرفة الصهارة يسبب انتفاخًا طفيفًا في الأرض قد لا يتجاوز بضعة سنتيمترات، لكنه قابل للقياس بدقة عالية. كما أن مراقبة الغازات المنبعثة من البراكين توفر معلومات قيمة؛ إذ إن زيادة انبعاث ثاني أكسيد الكبريت أو الهيليوم قد تشير لصعود صهارة جديدة.
فقد طور الباحثون في 2024 نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل آلاف المتغيرات الجيوفيزيائية في الوقت الفعلي. هذه النماذج تقارن البيانات الحالية مع أنماط ثورات سابقة، محسنة القدرة على التنبؤ بوقت الثوران. في أيسلندا، نجح العلماء في 2023 بالتنبؤ بدقة بثورات متعددة في شبه جزيرة ريكيانيس، مما سمح بإخلاء المناطق المأهولة قبل حدوث الثوران. من ناحية أخرى، لا يزال التنبؤ الدقيق بالتوقيت الدقيق للثوران (باليوم والساعة) يمثل تحديًا كبيرًا؛ إذ إن الصهارة نظام معقد غير خطي يصعب نمذجته بالكامل. لكن التقدم المحرز في السنوات الأخيرة يبعث على التفاؤل.
ما دور الصهارة في تشكيل القشرة الأرضية والمعادن؟
الصهارة هي المهندس الخفي لكوكبنا؛ إذ شكلت معظم القشرة الأرضية على مدى مليارات السنين. القشرة المحيطية بأكملها، التي تغطي حوالي 70% من سطح الأرض، تتكون من صخور بازلتية نتجت عن تجمد الصهارة في قاع المحيطات. عند الصدوع المحيطية، تصعد الصهارة باستمرار مشكلة قشرة جديدة بمعدل بضعة سنتيمترات سنويًا. وبالتالي، فإن المحيطات ليست ثابتة بل في حالة تجدد مستمر.
القارات أيضًا مدينة بوجودها للصهارة، لكن عبر عمليات أكثر تعقيدًا. معظم الصخور القارية تكونت من صهارة أنديزيتية وريوليتية في مناطق الاندساس على مدى مليارات السنين. سلاسل الجبال العملاقة مثل جبال الأنديز والروكي وجبال الألب تحتوي في أساساتها على كميات هائلة من الصخور النارية المتجمدة من الصهارة. هذا وقد تبين أن الصهارة أيضًا مصدر معظم المعادن الثمينة؛ إذ تحمل الصهارة في طريقها للأعلاب عناصر نادرة مثل الذهب والفضة والنحاس والبلاتين.
عندما تبرد الصهارة، تتركز هذه العناصر في مواقع محددة مشكلة رواسب معدنية قيمة. الجدير بالذكر أن بعض أغنى مناجم العالم توجد بالقرب من براكين قديمة أو بالقرب من بلوتونات متبلورة. منطقة “حزام النحاس” في تشيلي والبيرو، التي تنتج حوالي 40% من نحاس العالم، تكونت بفعل الصهارة الصاعدة على مدى ملايين السنين. كما أن الماس يتكون في أعماق الوشاح ثم تنقله الصهارة بسرعة فائقة نحو السطح عبر أنابيب بركانية تسمى الكيمبرلايت (Kimberlite). سرعة الصعود السريعة (أحيانًا عشرات الكيلومترات في الساعة) ضرورية لمنع تحول الماس مرة أخرى للجرافيت. أبحاث 2025 تستكشف إمكانية استخدام البيانات الجيوفيزيائية عن حركة الصهارة القديمة للعثور على رواسب معدنية جديدة، ما قد يحدث ثورة في عمليات التنقيب.
هل توجد صهارة على كواكب أخرى؟
الصهارة ليست ظاهرة حصرية على الأرض. كوكب الزهرة، أقرب جيراننا الكوكبيين، يحتوي على نشاط بركاني واسع النطاق. سطحه مغطى بآلاف البراكين، وبيانات من مركبات الفضاء في 2023-2024 تشير لوجود ثورات بركانية نشطة حاليًا. الصهارة على الزهرة مشابهة للصهارة البازلتية الأرضية، لكن الظروف القاسية على السطح (ضغط 90 ضعف الأرض ودرجة حرارة 460°م) تجعل دراستها تحديًا هائلاً.
المريخ يحتوي على أكبر بركان في النظام الشمسي، أوليمبوس مونس (Olympus Mons)، الذي يبلغ ارتفاعه 21 كيلومترًا. هذا البركان غير نشط الآن، لكنه يشهد على نشاط صهاري هائل في ماضي الكوكب. وعليه فإن المريخ كان يحتوي على صهارة نشطة قبل مليارات السنين، وربما لا يزال يحتفظ بجيوب من الصهارة في أعماقه. القمر الأرضي أيضًا شهد نشاطًا صهاريًا مكثفًا؛ إذ تكونت “البحار القمرية” (Maria) من تدفقات لافا بازلتية ضخمة قبل 3-4 مليارات سنة.
إن القمر آيو (Io)، أحد أقمار المشتري، هو أكثر جسم نشط بركانيًا في النظام الشمسي بأكمله. يحتوي على مئات البراكين النشطة التي تقذف الكبريت والصهارة لارتفاعات تصل 500 كيلومتر فوق السطح! النشاط البركاني الهائل على آيو ناتج عن قوى المد والجزر الهائلة التي يمارسها المشتري والأقمار المجاورة، مما يولد حرارة هائلة في باطن القمر. بينما القمر إنسيلادوس (Enceladus) التابع لزحل يحتوي على “بركانية باردة” (Cryovolcanism)؛ إذ تثور “صهارة” من الماء والأمونيا بدلاً من الصخور المنصهرة. دراسات 2024-2025 لهذه الأجسام تساعدنا على فهم كيف تعمل الصهارة تحت ظروف مختلفة تمامًا عن الأرض، موسعة فهمنا للجيولوجيا الكوكبية.
كيف أثرت الصهارة على تاريخ البشرية؟
الصهارة والبراكين التي تنتج عنها شكلت مسار الحضارة البشرية بطرق عميقة. ثوران بركان فيزوف عام 79 ميلادية دفن مدينتي بومبي وهركولانيوم الرومانيتين تحت أمتار من الرماد، محفوظة بذلك لحظة زمنية دقيقة من الحياة الرومانية. هذه الكارثة علمتنا الكثير عن الحياة اليومية في الإمبراطورية الرومانية بطريقة لم يكن ممكنًا معرفتها من خلال النصوص وحدها.
ثوران بركان تامبورا في إندونيسيا عام 1815 كان أقوى ثوران بركاني في التاريخ المسجل. قذف حوالي 160 كيلومتر مكعب من المواد في الغلاف الجوي، مسببًا “عام بلا صيف” في 1816؛ إذ انخفضت درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.4-0.7 درجة مئوية. الثلوج سقطت في يونيو في أوروبا وأمريكا الشمالية، وفشلت المحاصيل على نطاق واسع، مما أدى لمجاعات واضطرابات اجتماعية. هذا الحدث أظهر كيف يمكن لثوران بركاني واحد أن يؤثر على المناخ العالمي بأكمله.
من جهة ثانية، لم تكن كل تأثيرات الصهارة سلبية. التربة البركانية غنية جدًا بالمعادن والمغذيات، مما يجعلها من أخصب الأراضي الزراعية في العالم. وعليه فإن مناطق مثل جزيرة جاوة في إندونيسيا، المحاطة بالبراكين النشطة، تدعم كثافة سكانية عالية جدًا بفضل خصوبة أراضيها. إيطاليا، اليونان، اليابان، وأجزاء من أمريكا الوسطى والجنوبية استفادت لآلاف السنين من هذه التربة الغنية. الصخور البركانية استخدمت كمواد بناء في حضارات عديدة؛ إذ إن صخر البازلت والأنديزيت سهلا النحت نسبيًا ومتينان. تماثيل جزيرة الفصح الشهيرة نحتت من طف بركاني (Tuff)، بينما بنى الرومان الكولوسيوم جزئيًا من حجر البوزولانا البركاني الذي يعطي أسمنتًا قويًا جدًا لا يزال صامدًا حتى اليوم.
ما مخاطر الصهارة وكيف نتعامل معها؟
الصهارة تشكل مخاطر متعددة على المجتمعات البشرية، وفهم هذه المخاطر ضروري للتعامل معها. الخطر الأول والأكثر وضوحًا هو تدفقات اللافا التي يمكن أن تدمر كل شيء في طريقها. لكن اللافا نادرًا ما تقتل الناس مباشرة؛ إذ إنها تتحرك ببطء كافٍ للهروب منها في معظم الحالات. الخطر الحقيقي يكمن في السحب الحرارية (Pyroclastic Flows)، وهي انهيارات من الغازات الساخنة والرماد والصخور تتحرك بسرعات تصل 700 كم/ساعة ودرجات حرارة تتجاوز 1000°م. لا يمكن الهروب منها، وهي قتلت معظم ضحايا بومبي وهركولانيوم.
الرماد البركاني يشكل خطرًا واسع النطاق؛ إذ يمكن أن يسافر لمئات أو آلاف الكيلومترات عبر الرياح. طبقة رماد بسماكة بضعة سنتيمترات كافية لإفساد المحاصيل، تلويث مصادر المياه، وإتلاف محركات الطائرات. ثوران بركان إيافيالايوكل في أيسلندا عام 2010 عطل حركة الطيران الأوروبية لأسبوع، رغم أنه كان ثورانًا صغيرًا نسبيًا. وبالتالي، فإن التكلفة الاقتصادية للثورات البركانية يمكن أن تكون هائلة حتى لو كانت الخسائر البشرية محدودة.
إذاً كيف نتعامل مع هذه المخاطر؟ الإنذار المبكر هو الخط الدفاعي الأول. أنظمة الرصد الحديثة في بلدان مثل اليابان وأيسلندا وإيطاليا توفر تحذيرات قبل أيام أو أسابيع من الثوران، مما يسمح بإخلاء المناطق المعرضة للخطر. خطط الإخلاء المدروسة والتدريبات المنتظمة تنقذ الأرواح؛ إذ يجب أن يعرف السكان مسارات الهروب الآمنة وأماكن التجمع. كما أن تصميم البنية التحتية المقاومة للرماد البركاني يقلل من الأضرار. من ناحية أخرى، لا يمكننا إيقاف الثورات البركانية، لكن يمكننا التعايش معها بذكاء. هذا وقد أطلقت عدة دول في 2024-2025 برامج تعليمية شاملة لتوعية السكان بمخاطر البراكين، مما أدى لزيادة الجاهزية المجتمعية بشكل ملحوظ.
الخاتمة
الصهارة (الماغما) هي أحد أعظم القوى الطبيعية على كوكبنا وأكثرها غموضًا. من أعماق الوشاح السحيقة إلى سطح الأرض، تشكل هذه المادة المنصهرة المحرك الذي يعيد تشكيل كوكبنا باستمرار. لقد تعلمنا كيف تتكون من انصهار الصخور تحت ظروف قاسية، كيف تختلف في تركيبها من بازلتية منخفضة السيليكا إلى ريوليتية عالية السيليكا، وكيف تحدد هذه الاختلافات سلوك البراكين التي تغذيها. فهمنا كيف تتحرك الصهارة عبر الشقوق والفوالق، متحدية الجاذبية بفضل كثافتها المنخفضة، وكيف تتجمع في غرف ضخمة قد تبقى كامنة لآلاف السنين قبل أن تثور.
التقنيات الحديثة في 2023-2025 فتحت آفاقًا جديدة لدراسة الصهارة وفهمها بعمق أكبر. نماذج الذكاء الاصطناعي، التصوير الزلزالي عالي الدقة، وأجهزة الاستشعار المتقدمة تسمح لنا برصد حركة الصهارة في الوقت الفعلي، مما يحسن قدرتنا على التنبؤ بالثورات البركانية وإنقاذ الأرواح. وعليه فإن مستقبل دراسة الصهارة واعد؛ إذ نقترب من فهم شامل لهذه الظاهرة المعقدة التي شكلت كوكبنا ولا تزال تعيد تشكيله كل يوم.
هل ستكون أنت جزءًا من الجيل القادم من الباحثين الذين يكشفون المزيد من أسرار الصهارة ويساعدون البشرية على التعايش بأمان مع هذه القوة الهائلة؟
الأسئلة الشائعة
هل يمكن استخراج الطاقة الحرارية من الصهارة مباشرة؟
نعم، توجد مشاريع تجريبية لحفر آبار عميقة تصل للصهارة أو الصخور المحيطة بها لاستخراج الطاقة الحرارية الأرضية المعززة (Enhanced Geothermal Systems). أيسلندا رائدة في هذا المجال؛ إذ حفر مشروع IDDP في 2009 بئرًا وصل لصهارة على عمق 2.1 كيلومتر، منتجًا بخارًا فائق الحرارة بدرجة 450°م. هذه التكنولوجيا واعدة لكنها لا تزال في مراحلها المبكرة وتواجه تحديات تقنية واقتصادية.
ما هي أقدم عينة صهارة متجمدة عثر عليها على الأرض؟
أقدم صخور نارية معروفة هي صخور نيس أكاستا (Acasta Gneiss) في كندا، التي يبلغ عمرها حوالي 4.03 مليار سنة. لكن أقدم بلورات فردية هي بلورات زركون من جبال جاك هيلز في أستراليا، يصل عمرها لـ 4.4 مليار سنة، تكونت من صهارة قديمة جدًا تعود لبداية تاريخ الأرض.
كم من الوقت تستغرق الصهارة للتبلور بالكامل؟
يعتمد ذلك على حجم غرفة الصهارة وعمقها. غرفة صهارة صغيرة بحجم كيلومتر مكعب قد تتبلور خلال بضعة آلاف من السنين، بينما غرف عملاقة مثل باثوليث سييرا نيفادا (حوالي 40,000 كم³) استغرقت ملايين السنين للتبلور الكامل. معدل التبريد يتراوح بين 0.001°م إلى 0.1°م في السنة حسب العمق والحجم والتركيب.
هل توجد طريقة لتحويل الصهارة من خطر إلى مورد اقتصادي؟
بالفعل، الصهارة تُستغل اقتصاديًا بعدة طرق. أولًا، الطاقة الحرارية الأرضية التي تولد حوالي 15 جيجاواط من الكهرباء عالميًا. ثانيًا، المعادن المرتبطة بالصهارة تشكل مصدرًا لـ 75% من النحاس العالمي ومعظم الذهب والفضة. ثالثًا، استخدام الصخور البركانية كمواد بناء ومواد خام صناعية. رابعًا، السياحة البركانية التي تدر مليارات الدولارات سنويًا في مناطق مثل أيسلندا وهاواي.
ما الفرق بين الصهارة البدائية والمتطورة؟
الصهارة البدائية (Primitive Magma) هي صهارة تكونت مباشرة من انصهار صخور الوشاح دون أن تتعرض لتغيرات كيميائية كبيرة، وتحتفظ بتركيب قريب من المصدر. أما الصهارة المتطورة (Evolved Magma) فهي صهارة خضعت لعمليات التمايز الصهاري، التبلور التجزيئي، الاختلاط مع صهارة أخرى، أو استيعاب صخور القشرة، مما غير تركيبها الكيميائي بشكل كبير. معظم الصهارة الريوليتية متطورة، بينما الصهارة البازلتية غالبًا أقرب للبدائية.
المراجع
Cashman, K. V., Sparks, R. S. J., & Blundy, J. D. (2017). Vertically extensive and unstable magmatic systems: A unified view of igneous processes. Science, 355(6331), eaag3055. https://doi.org/10.1126/science.aag3055
يوفر هذا البحث المحكم نظرة شاملة لأنظمة الصهارة وكيفية تخزينها وحركتها في القشرة الأرضية.
Philpotts, A. R., & Ague, J. J. (2022). Principles of Igneous and Metamorphic Petrology (3rd ed.). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/9781108631419
كتاب أكاديمي موثوق يغطي أساسيات الصخور النارية وتكوين الصهارة بأسلوب علمي متقن.
Pyle, D. M., Mather, T. A., & Biggs, J. (2013). Remote sensing of volcanoes and volcanic processes: Integrating observation and modelling. Geological Society, London, Special Publications, 380(1), 1-13. https://doi.org/10.1144/SP380.14
بحث محكم يناقش تقنيات الرصد الحديثة للبراكين والصهارة، مما يدعم القسم الخاص بطرق الدراسة.
Sigmundsson, F., et al. (2024). Rapid magma accumulation prior to the 2023 Reykjanes Peninsula eruptions, Iceland. Nature Geoscience, 17(2), 156-163. https://doi.org/10.1038/s41561-023-01347-w
دراسة تطبيقية حديثة توثق نشاط الصهارة في أيسلندا 2023، مما يعطي المقالة الطابع الآني المطلوب.
Wilson, C. J. N., & Charlier, B. L. A. (2016). The life and times of silicic volcanic systems. Elements, 12(2), 103-108. https://doi.org/10.2113/gselements.12.2.103
تقرير علمي محكم يشرح دورة حياة أنظمة الصهارة السيليكية وتطورها عبر الزمن.
Pritchard, M. E., & Gregg, P. M. (2016). Geophysical evidence for silicic crustal melt in the continents: Where, what kind, and how much? Elements, 12(2), 121-127. https://doi.org/10.2113/gselements.12.2.121
فصل كتاب يقدم أدلة جيوفيزيائية على وجود الصهارة في القشرة القارية، داعمًا المحتوى العلمي للمقالة.
ملاحظة المصداقية: جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة. اعتمدت المقالة على مراجع أكاديمية محكمة من مجلات علمية رصينة مثل Science وNature Geoscience، بالإضافة إلى كتب جامعية معتمدة في تدريس علوم الأرض. جميع المعلومات المذكورة تستند إلى أحدث الأبحاث المنشورة حتى عام 2025، مع التركيز على الدقة العلمية والموضوعية في العرض.
المؤلف: د. أمجد الريحاني – خبير في علم الصخور النارية والبركانية.
تمت مراجعة المقالة من قبل:
د. وائل حمزة، ود. دانيا العلي
من فريق تحرير قسم علوم الأرض، المتخصصين في الجيولوجيا، العمليات البركانية، والجيوكيمياء البيئية.
لمزيد من المواضيع العلمية المتعمقة، يمكنك زيارة صفحتنا الرئيسية للاطلاع على مقالات أخرى في علوم الأرض والجيولوجيا.




