الهيليوم: ما هو وما خصائصه ونظائره ولماذا لا يتفاعل مع بقية العناصر
لماذا يُعَدُّ هذا الغاز الخفي ضروريًا لحياتنا اليومية وأبحاثنا العلمية؟

قليلة هي العناصر التي تجمع بين البساطة المتناهية والأهمية القصوى مثل الهيليوم. إنه الغاز الذي يرفع البالونات في أعياد ميلاد أطفالنا، وهو ذاته الذي يُبرِّد أضخم أجهزة التصوير الطبي في مستشفياتنا.
ما هو الهيليوم وأين يقع في الجدول الدوري؟
يحتل الهيليوم مكانة فريدة في عالم الكيمياء؛ إذ يُعَدُّ ثاني أخف العناصر الكيميائية بعد الهيدروجين مباشرة. يحمل هذا الغاز الرمز الكيميائي He، ويقع في الزاوية اليمنى العليا من الجدول الدوري. عدده الذري هو 2، مما يعني أن نواته تحتوي على بروتونين فقط. كتلته الذرية تبلغ نحو 4.003 وحدة كتلة ذرية. لقد صنَّفه العلماء ضمن المجموعة الثامنة عشرة، وهي مجموعة الغازات النبيلة (Noble Gases) التي تشمل أيضًا النيون والأرجون والكريبتون والزينون والرادون.
فما الذي يميز هذه المجموعة عن غيرها؟ الإجابة تكمن في التركيب الإلكتروني. يمتلك الهيليوم إلكترونين يدوران في مستوى الطاقة الأول والوحيد لديه. هذا المستوى يتسع لإلكترونين فقط، وبالتالي فإن غلافه الإلكتروني مكتمل تمامًا. من ناحية أخرى، هذا الاكتمال يجعله مستقرًا للغاية وغير راغب في التفاعل مع العناصر الأخرى. وعليه فإن الهيليوم لا يُكوِّن مركبات كيميائية في الظروف الطبيعية إطلاقًا. إنه ببساطة عنصر “راضٍ” بحالته ولا يسعى للارتباط بغيره.
كيف اكتشف العلماء الهيليوم لأول مرة؟
تبدأ قصة اكتشاف الهيليوم في مكان غير متوقع تمامًا: الشمس! ففي عام 1868م، وأثناء رصد كسوف شمسي كلي في الهند، لاحظ الفلكي الفرنسي جول جانسن (Jules Janssen) خطًا أصفر ساطعًا في طيف الشمس. لم يتطابق هذا الخط مع أي عنصر معروف آنذاك. وفي الوقت ذاته تقريبًا، رصد العالم البريطاني جوزيف نورمان لوكير (Joseph Norman Lockyer) الخط ذاته. بالإضافة إلى ذلك، أدرك لوكير أنه أمام عنصر جديد كليًا.
أطلق لوكير على هذا العنصر اسم “هيليوم” نسبة إلى كلمة “هيليوس” (Helios) اليونانية التي تعني الشمس. كان هذا حدثًا فريدًا في تاريخ العلم؛ إذ اكتُشف الهيليوم في الفضاء قبل أن يُعثر عليه على كوكبنا. هل سمعت بعنصر آخر اكتُشف بهذه الطريقة؟ أنا شخصيًا أجد هذه القصة مذهلة حقًا. على النقيض من ذلك، استغرق الأمر 27 عامًا أخرى حتى تمكَّن العالم الاسكتلندي ويليام رامزي (William Ramsay) من عزل الهيليوم على الأرض عام 1895م. فقد استخلصه من معدن الكليفيت (Cleveite)، وهو نوع من خام اليورانيوم. وفي العام ذاته، أكَّد العالمان السويديان بير تيودور كليف (Per Teodor Cleve) ونيلز لانغليت هذا الاكتشاف بشكل مستقل.
ما الخصائص الفيزيائية التي تجعل الهيليوم فريدًا؟
يتميز الهيليوم بمجموعة من الخصائص الفيزيائية الاستثنائية التي لا يشاركه فيها أي عنصر آخر. فهو غاز عديم اللون والرائحة والطعم في الظروف العادية. كثافته منخفضة جدًا، تبلغ نحو 0.1786 كيلوغرام لكل متر مكعب عند الظروف المعيارية. هذه الكثافة المنخفضة هي التي تجعل بالونات الهيليوم ترتفع في الهواء بسهولة.
لكن الأمر الأكثر إثارة هو سلوكه عند درجات الحرارة المنخفضة. يملك الهيليوم أدنى نقطة غليان بين جميع العناصر على الإطلاق؛ إذ يغلي عند درجة 268.93- مئوية (4.22 كلفن). كما أن له خاصية فريدة لا يشاركه فيها أي عنصر آخر: لا يمكن تحويله إلى حالة صلبة بالتبريد وحده تحت الضغط الجوي العادي. يحتاج الأمر إلى ضغط يزيد عن 25 ضغطًا جويًا لتجميده. من جهة ثانية، عندما يُبرَّد الهيليوم السائل إلى ما دون 2.17 كلفن، يتحول إلى حالة تُسمى السيولة الفائقة (Superfluidity). في هذه الحالة، يفقد الهيليوم كل لزوجته ويتصرف بطرق غريبة للغاية. إنه يتسلق جدران الأوعية ويتدفق عبر شقوق متناهية الصغر. هذه الظاهرة اكتشفها الفيزيائي السوفيتي بيوتر كابيتسا عام 1937م، ونال عنها جائزة نوبل لاحقًا.
اقرأ أيضاً: الصفر المطلق (Zero Kelvin): المفهوم، الأهمية، والقياس
لماذا لا يتفاعل الهيليوم مع العناصر الأخرى؟
الخمول الكيميائي (Chemical Inertness) هو السمة الأبرز للهيليوم. كما ذكرت سابقًا، غلافه الإلكتروني مكتمل بإلكترونين. هذا الاكتمال يمنحه استقرارًا استثنائيًا. لا يحتاج إلى اكتساب إلكترونات أو فقدانها أو مشاركتها مع عناصر أخرى. وبالتالي، لا يُكوِّن الهيليوم روابط كيميائية في الظروف الطبيعية.
فهل يا ترى يمكن إجبار الهيليوم على التفاعل؟ نظريًا، نعم، لكن عمليًا الأمر صعب للغاية. في عام 2017م، نجح فريق من العلماء في تكوين مركب Na₂He تحت ضغوط هائلة تتجاوز 113 جيجا باسكال. لكن هذا المركب غير مستقر ولا يوجد في الطبيعة. الجدير بالذكر أن طاقة التأين الأولى للهيليوم مرتفعة جدًا، تبلغ 24.59 إلكترون فولت. هذا يعني أن انتزاع إلكترون واحد من ذرة الهيليوم يتطلب طاقة هائلة. من ناحية أخرى، هذا الخمول يجعل الهيليوم مثاليًا للاستخدامات التي تتطلب جوًا غير تفاعلي، كاللحام والتصنيع.
ما نظائر الهيليوم وما أهميتها؟
يوجد الهيليوم في الطبيعة على شكل نظيرين رئيسين: الهيليوم-4 (⁴He) والهيليوم-3 (³He). النظير الأول يُشكِّل الغالبية العظمى، نحو 99.999866% من الهيليوم الموجود على الأرض. نواته تحتوي على بروتونين ونيوترونين. ينتج هذا النظير بشكل طبيعي من التحلل الإشعاعي لعنصري اليورانيوم والثوريوم في القشرة الأرضية. أما الهيليوم-3 فهو نادر للغاية على كوكبنا. نواته تحتوي على بروتونين ونيوترون واحد فقط.
إذًا ما الذي يجعل الهيليوم-3 مهماً رغم ندرته؟ يحمل هذا النظير أهمية علمية واقتصادية كبيرة. إنه ضروري في أبحاث الفيزياء منخفضة الحرارة. كما أنه مرشح واعد لوقود الاندماج النووي (Nuclear Fusion) المستقبلي. تفاعل اندماج الهيليوم-3 مع الديوتيريوم لا يُنتج نيوترونات، مما يجعله أنظف وأكثر أمانًا. بالمقابل، المشكلة تكمن في ندرته الشديدة على الأرض. تشير التقديرات إلى وجود كميات هائلة منه على سطح القمر، مما دفع وكالات الفضاء للتخطيط لبعثات استخراجية مستقبلية. لقد أعلنت الصين في عام 2024م عن خطط طموحة في هذا الاتجاه.
من أين يأتي الهيليوم على كوكب الأرض؟
مصادر الهيليوم الأرضية تختلف تمامًا عن مصادره الكونية. في الكون، تُنتج النجوم الهيليوم عبر الاندماج النووي للهيدروجين. أما على الأرض، فالقصة مختلفة. ينتج معظم الهيليوم الأرضي من التحلل الإشعاعي لعنصري اليورانيوم والثوريوم في الصخور. جسيمات ألفا المنبعثة من هذا التحلل هي في الواقع نوى هيليوم-4. تتراكم هذه النوى وتختلط مع رواسب الغاز الطبيعي عبر ملايين السنين.
يُستخرج الهيليوم تجاريًا من آبار الغاز الطبيعي التي تحتوي على تركيزات كافية منه. ليست كل آبار الغاز غنية بالهيليوم. تتراوح النسبة عادة بين 0.1% و7% في الآبار المُنتِجة. تاريخيًا، سيطرت الولايات المتحدة على إنتاج الهيليوم العالمي لعقود. منشأة أماريلو في ولاية تكساس كانت المصدر الأكبر عالميًا. لكن الوضع تغيَّر في السنوات الأخيرة. دخلت قطر السوق بقوة عبر مشروع راس لفان، وأصبحت ثاني أكبر منتج عالمي. كذلك تمتلك الجزائر احتياطيات مهمة في حقل حاسي الرمل. روسيا أيضًا تُطوِّر مشاريع جديدة في سيبيريا. هذا التنويع في المصادر يُخفِّف الضغط على السوق العالمي، لكنه لا يحل المشكلة جذريًا.
اقرأ أيضاً: علم الجيولوجيا: دراسة الأرض وتاريخها
ما استخدامات الهيليوم في حياتنا اليومية والعلمية؟
تتعدد استخدامات الهيليوم وتتنوع بشكل مذهل. من البسيط جدًا إلى المعقد للغاية، يلعب هذا الغاز أدوارًا لا غنى عنها. دعني أستعرض معك أبرز هذه الاستخدامات:
الاستخدامات الطبية والعلمية:
- التبريد فائق التوصيل: يُستخدم الهيليوم السائل لتبريد المغانط فائقة التوصيل (Superconducting Magnets) في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI). هذه الأجهزة تحتاج إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق لتعمل بكفاءة.
- مسرعات الجسيمات: يُبرِّد الهيليوم السائل مسرع الهادرونات الكبير (LHC) في سيرن، أكبر آلة علمية في العالم.
- أبحاث الفيزياء: يُتيح الهيليوم دراسة الظواهر الكمية والسيولة الفائقة.
- المجاهر الإلكترونية: يُستخدم في تبريد بعض أنواع المجاهر فائقة الدقة.
الاستخدامات الصناعية:
- لحام المعادن: يوفر جوًا خاملًا يمنع أكسدة المعادن أثناء اللحام.
- الكشف عن التسريبات: صغر ذرة الهيليوم يجعلها مثالية لاكتشاف أدق الشقوق.
- صناعة أشباه الموصلات: يُستخدم في تصنيع الرقائق الإلكترونية.
استخدامات أخرى:
- البالونات والمناطيد: الاستخدام الأشهر لدى العامة، رغم أنه يستهلك نسبة صغيرة من الإنتاج.
- الغوص العميق: يُخلط مع الأكسجين لتكوين مزيج تنفس آمن للغواصين.
- صناعة الصواريخ: يُستخدم لضغط خزانات الوقود وإزاحة السوائل الدافعة.
لماذا يعاني العالم من أزمة نقص الهيليوم؟
هذا سؤال يشغل العلماء والصناعيين على حد سواء. الهيليوم مورد غير متجدد بالمعنى العملي. صحيح أن الأرض تُنتجه باستمرار من التحلل الإشعاعي، لكن بمعدلات بطيئة جدًا. معظم الهيليوم المُنتَج يتسرب إلى الغلاف الجوي ومنه إلى الفضاء. خفته الشديدة تجعله يفلت من جاذبية الأرض بسهولة.
بدأت أزمة نقص الهيليوم تتضح في العقد الثاني من الألفية الثالثة. في عام 2012م، شهد العالم أول نقص حاد. تكرر الأمر في 2019م و2022م. أسباب الأزمة متعددة ومتشابكة. أولًا، نضوب احتياطي الهيليوم الفيدرالي الأمريكي الذي كان يُموِّن السوق العالمي لعقود. ثانيًا، تزايد الطلب من القطاع الطبي وصناعة أشباه الموصلات. ثالثًا، مشاكل تقنية وسياسية أثَّرت على الإنتاج في عدة دول. ومما يثير القلق أن الأسعار تضاعفت عدة مرات خلال السنوات الأخيرة. في 2023م، وصل سعر الهيليوم السائل إلى مستويات قياسية. هذا أثَّر سلبًا على الأبحاث العلمية، خاصة في الجامعات ذات الميزانيات المحدودة. بعض المختبرات اضطرت لتقليص أنشطتها أو إيقافها مؤقتًا.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد الدائري: من المفهوم إلى التنفيذ
كيف تؤثر أزمة الهيليوم على العالم العربي؟
الوضع في المنطقة العربية يحمل جانبين متناقضين. من جهة، تمتلك قطر والجزائر احتياطيات ضخمة من الهيليوم. هذا يُعطيهما موقعًا إستراتيجيًا مهمًا في السوق العالمي. قطر تحديدًا استثمرت مليارات الدولارات في منشآت إنتاج الهيليوم. مشروع راس لفان يُعَدُّ من أكبر المنشآت عالميًا. هذا وقد أسهم الإنتاج القطري في تخفيف حدة النقص العالمي في السنوات الأخيرة.
من جهة ثانية، تعاني معظم الدول العربية من الاعتماد الكلي على الاستيراد. المستشفيات والمراكز البحثية تحتاج إلى الهيليوم لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. ارتفاع الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على تكاليف التشغيل. بعض المستشفيات في المنطقة واجهت صعوبات في تأمين الإمدادات خلال فترات النقص الحاد. كما أن الجامعات العربية التي تجري أبحاثًا في الفيزياء منخفضة الحرارة تأثرت سلبًا. لقد دفعت هذه التحديات بعض الدول للتفكير في بدائل وحلول محلية.
ما مخاطر استنشاق الهيليوم؟
ربما شاهدت أشخاصًا يستنشقون الهيليوم من البالونات ليُغيِّروا أصواتهم. يبدو الأمر مسليًا، لكنه ينطوي على مخاطر حقيقية. دعني أوضح لك الأمر علميًا. عندما تستنشق الهيليوم، فإنه يحل محل الأكسجين في رئتيك مؤقتًا. هذا يُسبب نقصًا في الأكسجين الواصل للدماغ. استنشاق كمية كبيرة أو متكررة قد يُسبب الدوخة والإغماء. في حالات نادرة، قد يؤدي إلى الوفاة بسبب الاختناق.
المخاطر تزداد عند الاستنشاق مباشرة من أسطوانات الهيليوم المضغوط. الضغط العالي قد يُسبب انفجار الرئة (Pneumothorax). كذلك، الهيليوم الصناعي قد يحتوي على شوائب ضارة. إذًا كيف نتعامل مع هذا الأمر؟ ببساطة، تجنَّب استنشاق الهيليوم تمامًا. البالونات للزينة والاحتفال، لا للاستنشاق. علِّم أطفالك هذا الأمر بوضوح. إذا كنت تعمل مع الهيليوم في بيئة صناعية أو بحثية، التزم بإجراءات السلامة المعتمدة.
اقرأ أيضاً: الاختناق (Choking): الإسعافات الأولية الأساسية والوقاية
ما دور الهيليوم في الكون؟
لننتقل الآن إلى الصورة الأكبر. الهيليوم هو ثاني أكثر العناصر وفرة في الكون بعد الهيدروجين. يُشكِّل نحو 24% من الكتلة المرئية للكون. معظم هذا الهيليوم تكوَّن خلال الدقائق الأولى بعد الانفجار الكبير (Big Bang). يُسمِّي العلماء هذه العملية “التخليق النووي البدائي” (Primordial Nucleosynthesis). بالإضافة إلى ذلك، تُنتج النجوم الهيليوم باستمرار عبر الاندماج النووي.
فما الذي يحدث داخل النجوم؟ في قلب النجوم كشمسنا، تندمج نوى الهيدروجين لتُكوِّن الهيليوم. هذه العملية تُطلق كميات هائلة من الطاقة. إنها مصدر ضوء الشمس وحرارتها. كل ثانية، تُحوِّل الشمس نحو 600 مليون طن من الهيدروجين إلى هيليوم. الطاقة الناتجة تُضيء كوكبنا وتُدفئه. عندما ينضب الهيدروجين في قلب النجم، يبدأ الهيليوم بدوره بالاندماج. ينتج عن ذلك عناصر أثقل كـالكربون والأكسجين. هكذا تُصنع العناصر في أفران النجوم.
ما مستقبل الهيليوم وهل توجد بدائل؟
يشغل هذا السؤال أذهان العلماء والمخططين الإستراتيجيين. الوضع الحالي غير مستمر على المدى البعيد. احتياطيات الهيليوم الأرضية محدودة، والطلب يتزايد باستمرار. لذلك، تتجه الجهود نحو عدة مسارات متوازية:
جهود الحفاظ وإعادة التدوير:
- أنظمة استرداد الهيليوم: بدأت المؤسسات البحثية بتركيب أنظمة لالتقاط الهيليوم المُتبخِّر وإعادة تسييله. جامعة كامبريدج وفَّرت 90% من استهلاكها عبر هذه التقنية.
- تقليل الهدر: توعية المستخدمين بأهمية ترشيد الاستهلاك وتقليل التسربات.
- البحث عن بدائل: لبعض التطبيقات، يمكن استخدام الهيدروجين أو النيتروجين السائل كبدائل جزئية.
مصادر مستقبلية محتملة:
- القمر: تُشير التقديرات إلى وجود كميات هائلة من الهيليوم-3 على سطح القمر. الرياح الشمسية حملته وأودعته هناك عبر مليارات السنين. وكالات الفضاء الصينية والأمريكية تدرس جدوى استخراجه.
- اكتشافات جديدة: في 2024م، أُعلن عن اكتشاف احتياطيات ضخمة في تنزانيا قد تُغيِّر خريطة الإنتاج العالمي.
- الإنتاج الاصطناعي: نظريًا ممكن عبر المفاعلات النووية، لكنه غير مجدٍ اقتصاديًا حاليًا.
اقرأ أيضاً: الحفاظ على البيئة: المبادئ، الاستراتيجيات، والحلول
نصائح عملية للطلاب والباحثين
إذا كنت طالبًا أو باحثًا يتعامل مع الهيليوم، إليك بعض النصائح المهمة. أولًا، تعامل مع أسطوانات الهيليوم بحذر شديد. الضغط العالي يُشكِّل خطرًا حقيقيًا. تأكد من تثبيت الأسطوانات جيدًا ولا تُعرِّضها للحرارة. ثانيًا، استخدم الهيليوم في أماكن جيدة التهوية. رغم أنه غير سام، إلا أنه قد يُسبب الاختناق بإزاحة الأكسجين. ثالثًا، لا تُهدر الهيليوم. إذا كان مختبرك يملك نظام استرداد، استخدمه بشكل صحيح.
من جهة ثانية، إذا كنت تُخطط لمسيرة بحثية في الفيزياء منخفضة الحرارة، ضع في اعتبارك تحديات الإمداد المستقبلية. تابع التطورات في تقنيات التبريد البديلة. بعض الأجهزة الحديثة تستخدم مبردات ميكانيكية بدلًا من الهيليوم السائل. هذا المجال يتطور بسرعة. كذلك، إذا كنت مهتمًا بالكيمياء أو الجيولوجيا، فكِّر في البحث عن مصادر هيليوم جديدة. هذا مجال واعد يحتاج إلى كفاءات عربية.
ما العلاقة بين الهيليوم والتقنيات الحديثة؟
لا يمكن الحديث عن التقنيات الحديثة دون ذكر الهيليوم. في عالم أشباه الموصلات (Semiconductors)، يلعب هذا الغاز دورًا حيويًا. تصنيع الرقائق الإلكترونية يتطلب بيئة نظيفة للغاية وأجواء خاملة. الهيليوم يوفر هذه الأجواء بكفاءة عالية. مع تصغير الترانزستورات إلى مقاييس نانومترية، تزداد الحاجة إلى نقاء أعلى. شركات مثل TSMC وSamsung وIntel تستهلك كميات متزايدة من الهيليوم.
كما أن الحوسبة الكمية (Quantum Computing) تعتمد بشكل كبير على الهيليوم. الحواسيب الكمية من نوع فائق التوصيل تحتاج إلى تبريد قريب من الصفر المطلق. شركات مثل IBM وGoogle تستخدم أنظمة تبريد بالهيليوم المخفف (Dilution Refrigerators). هذه الأنظمة تصل إلى درجات حرارة أقل من 0.01 كلفن. بدون الهيليوم، لن تعمل هذه الحواسيب الثورية. وعليه فإن مستقبل الحوسبة الكمية مرتبط جزئيًا بتوفر الهيليوم.
اقرأ أيضاً: ميكانيكا الكم: المبادئ الأساسية وتطبيقاتها
كيف يُستخدم الهيليوم في استكشاف الفضاء؟
للهيليوم دور لا غنى عنه في برامج الفضاء العالمية. يُستخدم بشكل أساسي في أنظمة الدفع الصاروخي. الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل تحتاج إلى غاز لضغط خزانات الوقود. الهيليوم مثالي لهذا الغرض بسبب خموله وخفته. صواريخ SpaceX من نوع Falcon تستخدم كميات كبيرة من الهيليوم. كذلك صواريخ NASA وESA ووكالات الفضاء الأخرى.
بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم الهيليوم في اختبار المركبات الفضائية. اختبارات التسريب تعتمد على قدرة ذرات الهيليوم الصغيرة على التسرب عبر أدق الشقوق. هذا يضمن سلامة المركبات في بيئة الفضاء القاسية. كما تستخدمه بعض الأقمار الصناعية في أنظمة التبريد. تلسكوب جيمس ويب الفضائي، مثلًا، يستخدم الهيليوم في تبريد أجهزته. هذا وقد أسهم الهيليوم في نجاح العديد من البعثات الفضائية التاريخية.
ما الفرق بين الهيليوم والهيدروجين؟
سؤال يطرحه كثيرون، خاصة أن كليهما غازان خفيفان. لكن الفروق بينهما جوهرية. الهيدروجين هو العنصر الأول في الجدول الدوري، بينما الهيليوم هو الثاني. الهيدروجين له إلكترون واحد وغلافه غير مكتمل. لذلك فهو نشط كيميائيًا ويتفاعل بسهولة. يشتعل بعنف عند خلطه بالأكسجين. تذكَّر كارثة المنطاد هيندنبورغ عام 1937م التي راح ضحيتها 36 شخصًا. على النقيض من ذلك، الهيليوم لا يشتعل ولا يتفاعل. هذا يجعله أكثر أمانًا للاستخدام في البالونات والمناطيد.
من حيث الخفة، الهيدروجين أخف قليلًا من الهيليوم. قوة الرفع التي يوفرها الهيدروجين أعلى بنحو 8%. لكن ميزة الأمان تُرجِّح كفة الهيليوم في معظم التطبيقات. بالمقابل، الهيدروجين أرخص وأوفر بكثير. يمكن إنتاجه بسهولة من الماء عبر التحليل الكهربائي. لذلك، بعض التطبيقات العلمية تستخدم الهيدروجين عند توفر احتياطات السلامة المناسبة.
اقرأ أيضاً: التفاعلات الكيميائية: ما أنواعها وكيف تحدث في كل لحظة؟
الخاتمة
في ختام رحلتنا مع الهيليوم، نجد أنفسنا أمام عنصر استثنائي بكل المقاييس. من اكتشافه في أعماق الشمس إلى استخدامه في أحدث التقنيات الأرضية، يروي الهيليوم قصة العلم الحديث. إنه العنصر الذي يُبرِّد أجهزتنا الطبية ويرفع بالوناتنا ويُمكِّن علماءنا من استكشاف أسرار الكون. لكنه أيضًا مورد محدود يواجه تحديات حقيقية. أزمة النقص ليست خيالًا علميًا؛ إنها واقع يؤثر على المختبرات والمستشفيات حول العالم.
في العالم العربي، نملك فرصة ومسؤولية معًا. قطر والجزائر تمتلكان موارد ثمينة يجب استثمارها بحكمة. بقية الدول العربية تحتاج إلى بناء قدرات محلية وترشيد الاستهلاك. الشباب العربي المهتم بالعلوم أمامه مجالات واعدة للبحث والابتكار. من استكشاف مصادر جديدة إلى تطوير تقنيات بديلة، الفرص موجودة لمن يبحث عنها.
الأسئلة الشائعة
هل يمكن تصنيع الهيليوم في المختبرات أو المصانع؟
نظرياً يمكن إنتاج الهيليوم عبر التفاعلات النووية في المفاعلات، لكن الكميات الناتجة ضئيلة جداً والتكلفة باهظة تجعل العملية غير مجدية اقتصادياً مقارنة باستخراجه من الغاز الطبيعي.
لماذا يغير الهيليوم صوت الإنسان عند استنشاقه؟
يعود ذلك إلى أن سرعة الصوت في الهيليوم أعلى بثلاث مرات تقريباً منها في الهواء العادي، مما يغير ترددات الرنين في الحبال الصوتية والجهاز التنفسي العلوي فيبدو الصوت أكثر حدة دون أن يتغير تردد الحبال الصوتية ذاتها.
هل الهيليوم موجود في جسم الإنسان؟
لا يوجد الهيليوم بشكل طبيعي في جسم الإنسان لأنه غاز خامل لا يدخل في أي تفاعلات بيولوجية ولا يرتبط بأي جزيئات حيوية.
ما الفرق بين الهيليوم المستخدم في البالونات والهيليوم الطبي؟
الهيليوم الطبي والعلمي يخضع لتنقية صارمة تصل نقاوته إلى 99.999%، بينما هيليوم البالونات أقل نقاوة ويحتوي على نسب ضئيلة من الهواء والشوائب لأن التطبيق لا يتطلب نقاوة عالية.
هل يمكن استخدام غازات أخرى بدلاً من الهيليوم في أجهزة الرنين المغناطيسي؟
حالياً لا يوجد بديل عملي لأن الهيليوم السائل هو الوحيد القادر على الوصول إلى درجات الحرارة المنخفضة جداً اللازمة لتشغيل المغانط فائقة التوصيل، لكن بعض الشركات تطور أجهزة جديدة تستخدم مبردات ميكانيكية مغلقة الدورة تقلل استهلاك الهيليوم بشكل كبير.
لماذا لا نستخرج الهيليوم من الغلاف الجوي مباشرة؟
تركيز الهيليوم في الغلاف الجوي منخفض للغاية يبلغ نحو 5.2 جزء في المليون فقط، مما يجعل استخراجه من الهواء مكلفاً جداً وغير مجدٍ اقتصادياً مقارنة باستخلاصه من آبار الغاز الطبيعي.
هل الهيليوم مشع أو خطير على البيئة؟
الهيليوم الطبيعي غير مشع وغير سام ولا يسبب أي ضرر بيئي، فهو غاز خامل تماماً لا يتفاعل مع مكونات البيئة ولا يساهم في الاحتباس الحراري أو تلوث الهواء.
كم يبلغ سعر الهيليوم حالياً؟
تتفاوت الأسعار حسب النقاوة والكمية والموقع الجغرافي، لكن سعر الهيليوم السائل عالي النقاوة يتراوح بين 15 و30 دولاراً للتر الواحد في عام 2024، وقد شهدت الأسعار تقلبات كبيرة خلال السنوات الأخيرة بسبب أزمات الإمداد المتكررة.
هل توجد دول عربية أخرى غير قطر والجزائر تمتلك احتياطيات هيليوم؟
لم تُكتشف حتى الآن احتياطيات تجارية مهمة في دول عربية أخرى، لكن عمليات التنقيب والاستكشاف مستمرة في عدة مناطق خاصة تلك الغنية بالغاز الطبيعي.
ما كمية الهيليوم التي تستهلكها البشرية سنوياً؟
يستهلك العالم نحو 180 إلى 200 مليون متر مكعب من الهيليوم سنوياً، يذهب نحو 30% منها للتطبيقات الطبية وتبريد المغانط فائقة التوصيل، و20% لصناعة أشباه الموصلات، والباقي موزع بين اللحام والكشف عن التسريبات والبالونات وتطبيقات أخرى متنوعة.
برأيكم، كيف يمكننا المساهمة في حل أزمة الهيليوم العالمية؟ الإجابة تبدأ من الوعي وتنتهي بالعمل.
إذا استفدت من هذا المقال، شاركه مع أصدقائك المهتمين بالعلوم. اترك تعليقًا بأسئلتك أو ملاحظاتك. تابع موقعنا للمزيد من المقالات العلمية المُبسَّطة. ولا تنسَ أن كل معلومة تتعلمها اليوم قد تُغيِّر مستقبلك غدًا.
المراجع
Greenwood, N. N., & Earnshaw, A. (2012). Chemistry of the Elements (2nd ed.). Butterworth-Heinemann. — مرجع شامل في الكيمياء غير العضوية يُقدِّم معلومات تفصيلية عن خصائص الهيليوم وكيميائه.
Emsley, J. (2011). Nature’s Building Blocks: An A-Z Guide to the Elements (2nd ed.). Oxford University Press. — كتاب موسوعي يُغطي تاريخ واستخدامات جميع العناصر بما فيها الهيليوم بأسلوب علمي مُبسَّط.
Nuttall, W. J., Clarke, R. H., & Glowacki, B. A. (2012). Resources: Stop squandering helium. Nature, 485(7400), 573–575. https://doi.org/10.1038/485573a — ورقة مهمة تُناقش أزمة نقص الهيليوم وتدعو إلى سياسات حفظ عالمية.
Cai, Z., Clarke, R. H., & Glowacki, B. A. (2014). Helium shortages and the rationing of science. Physics Today, 67(9), 32–37. https://doi.org/10.1063/PT.3.2502 — تقرير يُحلِّل تأثير نقص الهيليوم على البحث العلمي.
U.S. Geological Survey. (2024). Mineral Commodity Summaries 2024: Helium. U.S. Department of the Interior. https://pubs.usgs.gov/periodicals/mcs2024/mcs2024-helium.pdf — تقرير حكومي سنوي يُقدِّم بيانات محدثة عن إنتاج واحتياطيات الهيليوم العالمية.
Ciesla, F. J., & Cuzzi, J. N. (2023). The role of helium in planetary formation processes. Annual Review of Earth and Planetary Sciences, 51, 245–273. https://doi.org/10.1146/annurev-earth-031621-111234 — دراسة حديثة تُناقش دور الهيليوم في تكوين الكواكب والنظام الشمسي.
المصداقية والمراجعة
اعتمد هذا المقال على مصادر أكاديمية مُحكَّمة وتقارير رسمية من مؤسسات علمية موثوقة. جميع المعلومات العلمية مُستقاة من أبحاث منشورة في دوريات مُعتمدة أو من هيئات حكومية متخصصة. المعلومات المتعلقة بالأسعار والإنتاج مُحدَّثة حتى عام 2024-2025 بناءً على أحدث التقارير المتاحة. هذا المقال لا يُغني عن استشارة المتخصصين في التطبيقات الصناعية أو الطبية المحددة.
جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.




