هل يتوقف القلب عند العطس؟ هل هذه حقيقة أم خرافة طبية؟
ما الذي يحدث فعلاً لقلبك في تلك اللحظة القصيرة؟

ملخص الإجابة
توقف القلب عند العطس خرافة طبية شائعة لا أساس علمي لها. القلب لا يتوقف فعلياً أثناء العطس، لكنه قد يتباطأ للحظات بسبب تغيرات الضغط داخل الصدر وتأثير العصب المبهم (Vagus Nerve). هذا التباطؤ الطفيف في ضربات القلب يُفسَّر خطأً على أنه توقف كامل، بينما الحقيقة أن القلب يستمر في ضخ الدم دون انقطاع حقيقي.
هل عطست يومًا عطسة قوية وشعرت بأن شيئًا غريبًا حدث في صدرك؟ ربما أخبرك أحدهم أن قلبك توقف للحظة، أو قرأت هذه المعلومة في مكان ما وصدّقتها. أنت لست وحدك؛ إذ يؤمن ملايين الناس بهذه الأسطورة دون التحقق منها. لقد قررت أن أكتب هذا المقال لأنني سئمت من رؤية هذه المعلومة المغلوطة تنتشر في كل مكان. ستكتشف هنا الحقيقة العلمية الكاملة، وستفهم ما يحدث فعلاً داخل جسمك خلال تلك الثواني القليلة.
ما الذي يحدث داخل جسمك لحظة العطس؟
العطس منعكس لا إرادي يحمي جهازك التنفسي من المهيجات والأجسام الغريبة. يبدأ كل شيء عندما تستشعر النهايات العصبية في بطانة أنفك وجود جسم غريب؛ إذ ترسل هذه النهايات إشارة فورية إلى جذع الدماغ (Brainstem). هناك يقع “مركز العطس” الذي يُنسّق استجابة معقدة تشمل أكثر من عشرين عضلة في جسمك.
تخيّل هذا المشهد: أنت جالس في اجتماع مهم، وفجأة تشعر بدغدغة في أنفك. عيناك تُغلقان تلقائياً، حنجرتك تنغلق للحظة، عضلات صدرك وبطنك تنقبض بقوة، ثم ينفتح كل شيء دفعة واحدة. الهواء يندفع من رئتيك بسرعة قد تصل إلى 160 كيلومتر في الساعة حاملاً معه ما يصل إلى 40,000 قطيرة صغيرة. كل هذا يحدث في أقل من ثانية واحدة.

حقيقة مدهشة: سرعة الهواء المندفع أثناء العطس تعادل تقريباً سرعة إعصار من الفئة الثانية! لهذا السبب يُنصح دائماً بتغطية الفم والأنف لمنع انتشار الرذاذ لمسافات بعيدة.
لماذا يعتقد الناس أن القلب يتوقف عند العطس؟
الجواب يكمن في ظاهرة فسيولوجية تُسمى مناورة فالسالفا (Valsalva Maneuver). عندما تعطس، تأخذ نفساً عميقاً ثم تُغلق حنجرتك وتضغط بقوة. هذا الضغط يرفع الضغط داخل تجويف صدرك بشكل كبير، مما يؤثر مؤقتاً على تدفق الدم العائد إلى قلبك.
من ناحية أخرى، هذا التغير في الضغط يُنشّط العصب المبهم، وهو عصب طويل يمتد من جذع الدماغ إلى البطن ويتحكم في وظائف حيوية كثيرة. أحد أدواره الرئيسة هو إبطاء معدل ضربات القلب. لقد أظهرت الدراسات أن تنشيط هذا العصب قد يُسبب تباطؤاً طفيفاً ومؤقتاً في نبضات القلب، لكنه لا يُوقفه أبداً.
فما الذي تشعر به إذاً؟ هذا التباطؤ اللحظي، مع التغير في ضغط الدم وإغلاق عينيك وتوتر عضلاتك، يخلق إحساساً غريباً قد يُفسّره دماغك على أنه “توقف”. لكن لو توقف قلبك فعلاً، لفقدت الوعي خلال ثوانٍ معدودة، وهو ما لا يحدث عند العطس.

كيف يستجيب القلب فعلياً أثناء العطس؟
لفهم ما يحدث، دعني أشرح لك التسلسل الزمني بدقة. قبل العطس مباشرة، يرتفع معدل ضربات القلب قليلاً استعداداً للجهد. أثناء مرحلة الضغط (عندما تحبس أنفاسك وتضغط)، يقل الدم العائد إلى القلب مؤقتاً، فيتباطأ القلب. بعد إطلاق العطسة، يعود كل شيء إلى طبيعته خلال ثانية أو اثنتين.
للفضوليين: العصب المبهم يُسمى أحياناً “العصب المُهدّئ” لأنه جزء من الجهاز العصبي نظير الودي (Parasympathetic Nervous System) المسؤول عن الراحة والهضم. تأثيره على القلب مؤقت وطبيعي تماماً، ويحدث في مواقف كثيرة أخرى مثل الغطس في ماء بارد أو الضغط أثناء التبرز.
هذا وقد أجرى باحثون في جامعة أوتريخت عام 2023 دراسة باستخدام أجهزة تخطيط القلب المحمولة لرصد نشاط القلب أثناء العطس. النتائج أكدت وجود تغيرات طفيفة في الإيقاع لا تتجاوز أجزاء من الثانية، لكن لم تُسجَّل أي حالة توقف فعلي للقلب.
اقرأ أيضاً: علم وظائف الأعضاء (Physiology): استكشاف آليات الحياة
ما الفرق بين التباطؤ والتوقف؟
هذه نقطة جوهرية يجب توضيحها. التباطؤ يعني أن القلب يضخ بمعدل أبطأ مؤقتاً، بينما التوقف يعني انقطاع الضخ كلياً. الفرق بينهما كالفرق بين سيارة تُبطئ عند منعطف وسيارة ينطفئ محركها تماماً.
قلبك يضخ حوالي 100,000 مرة يومياً. في كل ضربة، يدفع نحو 70 مليلتراً من الدم. لو توقف هذا الضخ ولو لثوانٍ قليلة، لبدأت خلايا دماغك تموت بسبب نقص الأكسجين. وعليه فإن ادعاء توقف القلب عند العطس يتناقض مع حقيقة أننا جميعاً نعطس عشرات المرات أسبوعياً دون أي أذى.
أغرب معلومة: بعض الأشخاص يعانون من حالة نادرة تُسمى “إغماء العطس” (Sneeze Syncope)؛ إذ يفقدون الوعي أثناء العطس بسبب استجابة مُبالغ فيها من العصب المبهم. لكن حتى في هذه الحالات النادرة، القلب لا يتوقف بل يتباطأ بشكل حاد مؤقت!

هل يشكّل العطس خطراً على مرضى القلب؟
هذا سؤال مشروع يطرحه كثيرون، خاصة من يعانون من مشكلات قلبية. الإجابة المختصرة: العطس الطبيعي لا يُشكّل خطراً على معظم مرضى القلب. لكن هناك حالات تستدعي الحذر.
بالنسبة لمن يعانون من اضطرابات نظم القلب (Arrhythmias) أو من خضعوا لجراحات قلبية حديثة، قد يُنصحون بتجنب العطس العنيف قدر الإمكان. كما أن كتم العطس بإغلاق الفم والأنف معاً يُعَدُّ خطيراً للجميع؛ إذ قد يرفع الضغط داخل الصدر بشكل مفرط ويُسبب مضاعفات.
نصائح عملية لمرضى القلب:
- لا تكتم العطس أبداً، بل اتركه يخرج طبيعياً
- اجلس أو استند إلى شيء ثابت إذا شعرت بعطسة قادمة
- تجنب المواقف التي تُحفّز العطس المتكرر إن أمكن
- استشر طبيبك إذا لاحظت أي أعراض غير طبيعية بعد العطس

اقرأ أيضاً: أمراض القلب: ما الذي يجب أن تعرفه لحماية قلبك؟
ما المخاطر الحقيقية المرتبطة بالعطس؟
على الرغم من أن توقف القلب عند العطس خرافة، إلا أن العطس قد يُسبب مشكلات أخرى حقيقية. كتم العطس بقوة قد يؤدي إلى تمزق في طبلة الأذن، أو إصابة في الأوعية الدموية الصغيرة، أو حتى كسور في الأضلاع لدى كبار السن.
من جهة ثانية، العطس أثناء القيادة يُعَدُّ خطيراً لأنك تُغلق عينيك لا إرادياً. دراسة بريطانية أجرتها جمعية السيارات الملكية عام 2024 وجدت أن العطس أثناء السرعات العالية قد يُفقدك السيطرة لمسافة تصل إلى 15 متراً. هذا خطر حقيقي يستحق الانتباه، بعكس أسطورة توقف القلب.
معلومة سريعة: الشخص العادي يعطس بمعدل 4 مرات يومياً، أي حوالي 1,460 عطسة سنوياً. لو كان القلب يتوقف فعلاً في كل مرة، لكانت البشرية انقرضت منذ زمن بعيد!

لماذا تنتشر هذه الأسطورة رغم عدم صحتها؟
الأساطير الطبية تنتشر لأسباب نفسية واجتماعية عميقة. أولاً، العطس تجربة جسدية قوية ومفاجئة تجعلنا نبحث عن تفسير. ثانياً، فكرة “توقف القلب” درامية وجذابة، مما يجعلها قابلة للتذكر والتناقل.
الجدير بالذكر أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ضاعفت انتشار هذه المعلومات المغلوطة. منشور واحد يدّعي أن “قلبك يتوقف عند العطس” قد يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات، بينما التصحيح العلمي يحتاج جهداً أكبر للانتشار.
اقرأ أيضاً: الانحياز المعرفي: الأسباب، الأنواع، والتأثير على القرار
أساطير أخرى شائعة عن العطس
ليست أسطورة توقف القلب الوحيدة المرتبطة بالعطس. إليك بعض الخرافات الأخرى مع تصحيحها:
خرافات وحقائق:
- “عيناك ستنفجران إذا عطست وهما مفتوحتان”: خاطئ. العيون تُغلق كمنعكس حماية، لكن إبقاءها مفتوحة (وهو صعب) لن يُسبب انفجارها
- “قلبك يتخطى ضربة”: غير دقيق. الإيقاع يتغير قليلاً لكن لا توجد “ضربة مفقودة”
- “العطس ثلاث مرات يعني أن شخصاً يذكرك”: خرافة ثقافية لا أساس علمي لها
- “لا يمكنك العطس أثناء النوم”: صحيح جزئياً؛ إذ تكون المنعكسات أضعف أثناء النوم العميق
هل تعلم؟ حوالي 18-35% من الناس يعطسون عند النظر إلى ضوء ساطع! هذه الظاهرة تُسمى “منعكس العطس الضوئي” (Photic Sneeze Reflex) أو اختصاراً ACHOO، وهي وراثية ولا علاقة لها بالقلب.
متى يجب أن تقلق فعلاً؟
معظم حالات العطس طبيعية تماماً ولا تستدعي أي قلق. لكن هناك علامات تستحق الانتباه واستشارة الطبيب:
إذا شعرت بألم حاد في الصدر بعد العطس، أو لاحظت دماً في المخاط، أو عانيت من دوخة شديدة أو إغماء متكرر بعد العطس، فهذه أعراض تستدعي الفحص. كذلك، العطس المتكرر المصحوب بضيق تنفس قد يُشير إلى حساسية تحتاج علاجاً.
بالمقابل، الشعور اللحظي بـ”غرابة” في الصدر أثناء العطس أمر طبيعي ناتج عن التغيرات الفسيولوجية التي شرحتها سابقاً، ولا يدعو للقلق إطلاقاً.
اقرأ أيضاً: الإنعاش القلبي الرئوي (CPR): متى وكيف يتم تطبيقه؟
الخلاصة: استمع لجسمك لا للأساطير
لقد تعلمت الآن أن فكرة توقف القلب عند العطس مجرد أسطورة لا أساس علمي لها. قلبك يتباطأ قليلاً بفعل العصب المبهم وتغيرات الضغط داخل الصدر، لكنه لا يتوقف أبداً. هذه المعرفة ليست مجرد معلومة طريفة، بل هي جزء من فهم أعمق لكيفية عمل جسمك.
في المرة القادمة التي تعطس فيها، تذكر أن جسمك يقوم بمهمة حماية معقدة ورائعة. ولا تُصدّق كل ما تقرأه على الإنترنت دون التحقق من المصادر العلمية الموثوقة.
فهل ستنظر إلى عطستك القادمة بعين مختلفة الآن؟
جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.
إذا وجدت هذه المعلومات مفيدة، شاركها مع من حولك لتصحيح هذه الخرافة الشائعة. واشترك في نشرتنا البريدية لتصلك المزيد من الحقائق العلمية التي تُصحح المفاهيم الخاطئة وتُثري معرفتك بجسمك وصحتك.
المراجع
- Guyton, A. C., & Hall, J. E. (2021). Textbook of Medical Physiology (14th ed.). Elsevier. — المرجع الأساسي في فسيولوجيا الجهاز العصبي اللاإرادي وتأثير العصب المبهم على القلب.
- Standring, S. (Ed.). (2020). Gray’s Anatomy: The Anatomical Basis of Clinical Practice (42nd ed.). Elsevier. — يوفر تفصيلاً دقيقاً لمسار العصب المبهم وعلاقته بوظائف القلب.
- Brignole, M., et al. (2018). 2018 ESC Guidelines for the diagnosis and management of syncope. European Heart Journal, 39(21), 1883-1948. DOI: 10.1093/eurheartj/ehy037 — يشرح آليات الإغماء الوعائي المبهمي وعلاقته بمناورة فالسالفا.
- van Dijk, J. G., & Wieling, W. (2013). Pathophysiological basis of syncope and neurological conditions that mimic syncope. Progress in Cardiovascular Diseases, 55(4), 345-356. DOI: 10.1016/j.pcad.2012.10.016 — يناقش تأثير المنعكسات على نظم القلب.
- Pstras, L., et al. (2016). The Valsalva maneuver: Its applications and potential adverse effects for health. Sports Medicine, 46(3), 287-301. DOI: 10.1007/s40279-015-0402-8 — دراسة شاملة لتأثيرات مناورة فالسالفا على الجهاز الدوري.
- Alboni, P., & Alboni, M. (2014). Typical vasovagal syncope as a model for studying reflex mechanisms relevant to neurocardiogenic syncope. Europace, 16(1), 9-16. DOI: 10.1093/europace/eut264 — يوضح العلاقة بين المنعكسات العصبية واستجابة القلب.




