حقائق علمية

سر قدرة الحرباء على تغيير لونها: كيف تعمل هذه الآلية المذهلة؟

ما الذي يجعل الحرباء تتحكم بألوانها بهذه الدقة الفائقة؟

ملخص الإجابة

سر قدرة الحرباء على تغيير لونها يكمن في طبقات متخصصة من الخلايا الصبغية (Chromatophores) الموجودة تحت جلدها الشفاف. تحتوي هذه الخلايا على بلورات نانوية من مادة الغوانين (Guanine Nanocrystals) قادرة على التمدد والانكماش. عندما تتغير المسافات بين هذه البلورات، ينعكس الضوء بأطوال موجية مختلفة، فتظهر ألوان متباينة. هذه العملية تخضع لسيطرة الجهاز العصبي والهرموني معاً.


أنت تشاهد فيلماً وثائقياً عن الحياة البرية، وفجأة تتحول حرباء خضراء هادئة إلى كرة من الألوان البرتقالية والحمراء الصاخبة خلال ثوانٍ معدودة. لقد توقفتَ مذهولاً تتساءل: كيف يحدث هذا؟ هل الأمر مجرد خدعة بصرية أم أن هناك آلية حقيقية وراء هذا التحول؟ الحقيقة أن العلم كشف أسراراً مدهشة خلف هذه الظاهرة، وما ستقرأه في السطور القادمة سيغير نظرتك تماماً لهذا الكائن الحي الصغير. فقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الموضوع أعقد وأجمل مما تخيل العلماء أنفسهم.


ما هي الخلايا المسؤولة عن تغيير لون الحرباء؟

يقع سر قدرة الحرباء على تغيير لونها في بنية جلدها الفريدة. تمتلك الحرباء عدة طبقات من الخلايا المتخصصة مرتبة بدقة متناهية تحت الجلد الخارجي الشفاف؛ إذ تعمل هذه الطبقات بتناغم مثل أوركسترا موسيقية محكمة.

الطبقة العليا تحتوي على الزانثوفورات (Xanthophores) والإريثروفورات (Erythrophores). هذه الخلايا تحمل أصباغاً صفراء وحمراء على التوالي. من ناحية أخرى، تقع تحتها طبقة الإيريدوفورات (Iridophores) التي تُعَدُّ اللاعب الرئيس في عملية تغيير اللون. لقد اكتشف العلماء في جامعة جنيف عام 2015 أن هذه الخلايا تحتوي على شبكة منتظمة من البلورات النانوية.

حقيقة مدهشة: الحرباء لا تمتلك أصباغاً زرقاء أو خضراء في جلدها على الإطلاق! اللون الأخضر الذي تراه ناتج عن تفاعل الضوء مع البلورات النانوية والأصباغ الصفراء معاً.

أما الطبقة السفلى فتضم الميلانوفورات (Melanophores) المليئة بصبغة الميلانين البنية الداكنة. وعليه فإن هذه الطبقة تتحكم في درجة سطوع أو قتامة اللون النهائي. عندما تنتشر حبيبات الميلانين، يصبح اللون أغمق. وبالمقابل، عندما تتجمع في مركز الخلية، يظهر اللون أفتح وأكثر إشراقاً.

رسم علمي لمقطع جلد الحرباء يوضح الزانثوفورات والإريثروفورات والإيريدوفورات والميلانوفورات وتسميات عربية لكل طبقة
مقطع عرضي يوضح طبقات خلايا الجلد المسؤولة عن الألوان في الحرباء.

كيف تعمل البلورات النانوية في جلد الحرباء؟

هنا يكمن الجوهر الحقيقي لسر قدرة الحرباء على تغيير لونها. البلورات النانوية المكونة من مادة الغوانين (Guanine) مرتبة في شبكة ثلاثية الأبعاد داخل خلايا الإيريدوفورات. هذه البلورات صغيرة جداً؛ إذ يبلغ قطرها ما بين 120 و200 نانومتر فقط.

فما الذي يحدث عندما تريد الحرباء تغيير لونها؟ الإجابة بسيطة ومعقدة في آن واحد. الجهاز العصبي يرسل إشارات إلى خلايا الإيريدوفورات فتتمدد أو تنكمش. هذا التمدد يغير المسافات بين البلورات النانوية. كما أن تغير المسافات يؤثر مباشرة على طول الموجة الضوئية المنعكسة.

اقرأ أيضاً  كيف يفوق عدد الميكروبات في الجسم عدد الخلايا؟

عندما تكون البلورات متقاربة، تعكس الضوء الأزرق قصير الموجة. بينما عندما تتباعد، تعكس الضوء الأحمر والبرتقالي طويل الموجة. هذه الظاهرة الفيزيائية تُسمى الألوان البنيوية (Structural Colors) لأنها تعتمد على البنية وليس على الأصباغ الكيميائية.

إنفوغراف يوضح بلورات غوانين نانوية متقاربة تعكس أزرق ومتباعدة تعكس أحمر برتقالي مع تسميات عربية
كيف يغيّر تباعد بلورات الغوانين النانوية طول الموجة المنعكس فتتبدل الألوان.

معلومة خاطفة: سرعة تغير لون الحرباء قد تصل إلى 20 ثانية فقط للتحول الكامل، لكن بعض الأنواع مثل حرباء النمر (Panther Chameleon) تستطيع التبديل خلال ثوانٍ معدودة عند المواجهات العدائية.


لماذا تغير الحرباء لونها في الحقيقة؟

هنا نصحح مفهوماً خاطئاً شائعاً جداً. كثيرون يعتقدون أن الحرباء تغير لونها للتمويه والاختباء من المفترسين. على النقيض من ذلك، أثبتت الدراسات أن التمويه ليس السبب الرئيس على الإطلاق.

فما هي الأسباب الحقيقية إذاً؟

أسباب تغيير الحرباء للونها:

  • التواصل الاجتماعي: الحرباء كائنات انعزالية تستخدم الألوان للتواصل مع أبناء جنسها. الألوان الزاهية تعني الهيمنة والسيطرة، بينما الألوان الباهتة تشير إلى الخضوع والاستسلام.
  • التزاوج وجذب الشريك: الذكور تتحول إلى ألوان صاخبة ومتعددة لإبهار الإناث. الإناث بدورها تُظهر ألواناً محددة للإشارة إلى قبولها أو رفضها للتزاوج.
  • تنظيم درجة حرارة الجسم: الألوان الداكنة تمتص حرارة الشمس صباحاً، والألوان الفاتحة تعكسها عند ارتفاع الحرارة ظهراً. هذه الآلية تُعَدُّ حيوية للحيوانات ذات الدم البارد.
  • التعبير عن الحالة النفسية: الخوف والتوتر والغضب كلها تسبب تغيرات لونية ملحوظة. حتى المرض قد يظهر على شكل ألوان باهتة غير طبيعية.
  • الدفاع والتهديد: عند المواجهة مع منافس، يتحول الذكر إلى ألوان تحذيرية قوية لإرهاب الخصم قبل القتال الفعلي.
إنفوغراف عربي يوضح خمسة أسباب لتغير لون الحرباء حول رسم حرباء في الوسط مع تسميات عربية.
الأسباب الأساسية لتغير لون الحرباء: تواصل، تزاوج، حرارة، حالة نفسية، ودفاع.

أغرب معلومة: الحرباء الميتة تتحول إلى لون باهت موحد! هذا لأن الخلايا الصبغية تحتاج طاقة حيوية للحفاظ على تنظيم البلورات، وبدون هذه الطاقة تسترخي الخلايا وتفقد قدرتها على عكس الألوان المتنوعة.

اقرأ أيضاً: الفيرومونات (Pheromones): الجاذبية الكيميائية في مملكة الحيوان


مثال تطبيقي: راقب حرباء في موقف حقيقي

تخيل أنك في محمية طبيعية في مدغشقر تراقب ذكر حرباء النمر على غصن شجرة. لونه الآن أخضر هادئ مع بقع زرقاء خفيفة. فجأة، يظهر ذكر آخر على الغصن المجاور.

خلال خمس ثوانٍ، يبدأ التحول. الرأس يتحول إلى البرتقالي الناري. الجسم يكتسب خطوطاً حمراء وصفراء متوهجة. العينان تبرزان أكثر. الذكر ينتفخ ويستدير جانبياً ليبدو أكبر حجماً.

ما الذي حدث داخلياً؟ الجهاز العصبي استشعر التهديد. أرسل المخ إشارات كهربائية سريعة إلى خلايا الإيريدوفورات. هذه الخلايا تمددت فوراً. البلورات النانوية تباعدت. انعكست موجات الضوء الطويلة. ظهرت الألوان الدافئة الصاخبة.

الذكر الثاني إما يرد بألوان مماثلة ويبدأ القتال، أو يتحول إلى ألوان باهتة ويتراجع خاضعاً. هذا التواصل اللوني يوفر طاقة القتال ويقلل الإصابات. إنه نظام تحذير بصري متطور للغاية.

لوحة من ثلاث لقطات لحرباءين على أغصان تُظهر قبل المواجهة وأثناء التهديد وبعد التراجع مع تسميات عربية.
تسلسل بصري يوضح كيف تُستخدم الألوان كلغة تهديد وتراجع بين ذكرين من الحرباء.

ما الذي كشفته الدراسات العلمية الحديثة؟

شهدت السنوات الأخيرة قفزات علمية مهمة في فهم سر قدرة الحرباء على تغيير لونها. دراسة جامعة جنيف عام 2015 بقيادة الدكتور ميشيل ميلينكوفيتش (Michel Milinkovitch) أحدثت ثورة في هذا المجال.

اقرأ أيضاً  هل يمكن تحويل الرصاص إلى ذهب؟ حلم الخيميائيين القدامى

لقد استخدم الفريق تقنيات التصوير عالي الدقة والمحاكاة الحاسوبية. اكتشفوا أن الحرباء تمتلك طبقتين من الإيريدوفورات وليس طبقة واحدة كما كان يُعتقد سابقاً. الطبقة السطحية مسؤولة عن تغيير الألوان السريع. من جهة ثانية، الطبقة العميقة تعكس الأشعة تحت الحمراء وتساعد في تنظيم الحرارة.

لمحة علمية: دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة Nature Communications أظهرت أن بعض أنواع الحرباء تستطيع التحكم في مناطق محددة من جلدها بشكل مستقل. هذا يعني أن الرأس قد يكون بلون مختلف تماماً عن الذيل في اللحظة نفسها!

كذلك أثبتت دراسات عام 2024 أن الحرباء الصغيرة تولد بقدرة محدودة على تغيير اللون. هذه القدرة تتطور وتتحسن مع النمو. الجدير بالذكر أن الذكور البالغين يمتلكون نطاقاً لونياً أوسع من الإناث في معظم الأنواع.

رسم مقطعي لجلد الحرباء يوضح الإيريدوفورات السطحية لتغيير اللون والإيريدوفورات العميقة لعكس الأشعة تحت الحمراء مع تسميات عربية.
اكتشاف طبقتين من الإيريدوفورات: طبقة للألوان المرئية وطبقة تعكس الأشعة تحت الحمراء.

اقرأ أيضاً: علم الأحياء (Biology): استكشاف الحياة والكائنات الحية


هل يمكن تطبيق تقنية الحرباء في حياتنا؟

أثار سر قدرة الحرباء على تغيير لونها اهتمام المهندسين وعلماء المواد حول العالم. فكرة الألوان البنيوية القابلة للتعديل فتحت آفاقاً واسعة للتطبيقات التقنية.

مجالات التطبيق المستوحاة من الحرباء:

  • الملابس العسكرية الذكية: يعمل باحثون على تطوير أقمشة تتكيف تلقائياً مع البيئة المحيطة. هذه الأقمشة قد تغير لونها حسب الخلفية دون حاجة لبطاريات ضخمة.
  • الشاشات المرنة: شركات التقنية تستكشف إمكانية صنع شاشات تعتمد على البلورات النانوية بدلاً من الإضاءة الخلفية التقليدية. هذا قد يوفر طاقة هائلة.
  • الطلاءات المتغيرة: تخيل سيارة تغير لونها حسب درجة الحرارة أو رغبة المالك. هذه التقنية قيد التطوير فعلياً في عدة مختبرات.
  • الأجهزة الطبية: مستشعرات تغير لونها عند اكتشاف مواد معينة في الجسم قد تُحدث ثورة في التشخيص المبكر للأمراض.
إنفوغراف أربع خانات يوضح ملابس عسكرية ذكية وشاشات مرنة وطلاء متغير اللون ومستشعرات طبية متغيرة اللون مع تسميات عربية
أمثلة لتطبيقات هندسية تستلهم “الألوان البنيوية” من جلد الحرباء

حقيقة مثيرة للاهتمام: فريق بحثي في جامعة كامبريدج عام 2024 نجح في تصنيع مادة اصطناعية تحاكي جلد الحرباء. هذه المادة تغير لونها عند التمدد الميكانيكي، تماماً كما تفعل الحرباء الحقيقية.

اقرأ أيضاً: التنوع البيولوجي (Biodiversity): المفهوم، الأهمية، والتحديات


ما هي المفاهيم الخاطئة الشائعة عن الحرباء؟

ثمة أساطير كثيرة تحيط بسر قدرة الحرباء على تغيير لونها. من المهم تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة.

أولاً، الحرباء لا تتحول إلى أي لون تراه. قدراتها محدودة بنطاق معين يختلف من نوع لآخر. بعض الأنواع تتراوح بين الأخضر والبني فقط. أنواع أخرى كحرباء النمر تمتلك طيفاً أوسع يشمل الأحمر والبرتقالي والأزرق.

ثانياً، التمويه ليس الوظيفة الأساسية كما ذكرنا. معظم الحرباء تعيش على الأشجار ولونها الأخضر الطبيعي يوفر تمويهاً كافياً. تغيير اللون يخدم أغراضاً اجتماعية وفسيولوجية بالدرجة الأولى.

اقرأ أيضاً  ظاهرة الشفق القطبي: كيف تحدث ولماذا تتراقص الأضواء في السماء؟

ثالثاً، ليست كل أنواع الحرباء بارعة في تغيير الألوان. هناك أكثر من 200 نوع معروف، وقدراتها تتفاوت بشكل كبير. بعضها يُظهر تغيرات طفيفة بالكاد تُلاحظ.

رابعاً، الحرباء لا تغير لونها فورياً كما تُصور الأفلام أحياناً. العملية تستغرق ثواني إلى دقائق حسب النوع ودرجة التغيير المطلوبة.

اقرأ أيضاً: الحيوان: ما هي خصائص مملكة الحيوان وكيف تُصنَّف كائناتها؟


الخاتمة

لقد رأينا كيف أن سر قدرة الحرباء على تغيير لونها يجمع بين الفيزياء والبيولوجيا في تناغم مذهل. البلورات النانوية والخلايا الصبغية المتخصصة تعمل معاً لتخلق لوحة ألوان حية. هذه الآلية ليست للتمويه فحسب، بل هي لغة بصرية متكاملة للتواصل والتكيف الحراري.

إن العلم يستمر في الكشف عن أسرار جديدة كل عام. وبالتالي، ما كنا نظنه بسيطاً قبل عقود تبين أنه منظومة معقدة ودقيقة. الحرباء الصغيرة التي تجلس بهدوء على غصن شجرة تحمل في جلدها تقنية متقدمة لم يستطع الإنسان تقليدها بالكامل حتى الآن.

هل تتخيل كيف سيتغير عالمنا لو استطعنا فهم وتطبيق جميع أسرار الطبيعة المدهشة من حولنا؟


المراجع

Teyssier, J., Saenko, S. V., Van Der Marel, D., & Milinkovitch, M. C. (2015). Photonic crystals cause active colour change in chameleons. Nature Communications, 6, 6368. https://doi.org/10.1038/ncomms7368
— هذه الدراسة الأساسية التي كشفت دور البلورات النانوية في تغيير لون الحرباء.

Stuart-Fox, D., & Moussalli, A. (2009). Camouflage, communication and thermoregulation: Lessons from colour changing organisms. Philosophical Transactions of the Royal Society B, 364(1516), 463-470. https://doi.org/10.1098/rstb.2008.0254
— تناقش الوظائف المتعددة لتغيير اللون عند الحرباء والكائنات الأخرى.

Ligon, R. A., & McGraw, K. J. (2013). Chameleons communicate with complex colour changes during contests: Different body regions convey different information. Biology Letters, 9(6), 20130892. https://doi.org/10.1098/rsbl.2013.0892
— توضح كيف تستخدم الحرباء مناطق مختلفة من جسمها لنقل رسائل مختلفة.

Walton, B. M., & Bennett, A. F. (1993). Temperature-dependent color change in Kenyan chameleons. Physiological Zoology, 66(2), 270-287.
— دراسة كلاسيكية عن العلاقة بين درجة الحرارة وتغير اللون.

Tolley, K., & Herrel, A. (Eds.). (2013). The Biology of Chameleons. University of California Press.
— كتاب أكاديمي شامل يغطي جميع جوانب بيولوجيا الحرباء بما فيها آليات تغيير اللون.

Bagnara, J. T., & Matsumoto, J. (2006). Comparative anatomy and physiology of pigment cells in nonmammalian tissues. In The Pigmentary System: Physiology and Pathophysiology (2nd ed., pp. 11-59). Blackwell Publishing.
— فصل كتاب يشرح التركيب المقارن للخلايا الصبغية عند الفقاريات غير الثديية.


إخلاء مسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال مبنية على مصادر علمية موثوقة ومراجعات أكاديمية محكمة. قد تظهر دراسات جديدة تضيف أو تعدل بعض المفاهيم المذكورة.

جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.


إذا استمتعت بهذا المقال وأثار فضولك العلمي، فشاركه مع أصدقائك المهتمين بعجائب الطبيعة. تابع موقعنا للمزيد من المقالات التي تكشف أسرار الكائنات الحية من حولنا. ولا تنسَ أن تترك تعليقك بالأسفل: ما الكائن الذي تود أن نكشف أسراره في المقال القادم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى