البكتيريا في جسمك أكثر من خلاياك! كيف تعيش معك دون أن تدري؟
ما هو الميكروبيوم البشري وكيف يتحكم في صحتك؟

ملخص الإجابة
البكتيريا في جسم الإنسان تُقدَّر بنحو 38 تريليون خلية بكتيرية، متجاوزةً عدد الخلايا البشرية البالغ 30 تريليون خلية. تُشكِّل هذه الكائنات الدقيقة ما يُعرف بالميكروبيوم البشري (Human Microbiome)، وتتركز غالبيتها في الأمعاء الغليظة. تؤدي هذه البكتيريا وظائف حيوية تشمل الهضم، ودعم المناعة، وإنتاج الفيتامينات، بل وتؤثر في الحالة النفسية والمزاجية.
هل توقفتَ يوماً لتتأمل أنك لستَ وحدك في جسدك؟ أعلم أن هذه الفكرة قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، لكنها حقيقة علمية مذهلة. فبينما تقرأ هذه الكلمات، تعمل تريليونات الكائنات المجهرية داخلك في صمت تام. إنها لا تسبب لك المرض، بل على العكس، تُبقيك حياً وبصحة جيدة.
لقد اعتدنا أن ننظر للبكتيريا باعتبارها عدواً يجب القضاء عليه. غير أن العلم الحديث كشف لنا صورة مختلفة تماماً. فالبكتيريا في جسم الإنسان ليست مجرد ضيوف عابرين؛ إنها شركاء حقيقيون في رحلة حياتك. وفهمُ هذه العلاقة سيغير نظرتك لصحتك ونمط غذائك وحتى مزاجك اليومي.
كم عدد البكتيريا التي تعيش في جسمك؟
لسنوات طويلة، ساد اعتقاد علمي بأن البكتيريا في جسم الإنسان تفوق خلاياه بعشرة أضعاف. لكن دراسة بارزة نشرها الباحثون رون سيندر وشاي فوكس ورون ميلو عام 2016 في مجلة PLOS Biology صححت هذا الرقم. النسبة الفعلية أقرب إلى التساوي، مع تفوق طفيف للبكتيريا.
يحمل الإنسان البالغ قرابة 38 تريليون خلية بكتيرية. في المقابل، يمتلك الجسم نحو 30 تريليون خلية بشرية. إذاً فالنسبة تقارب 1.3 بكتيريا لكل خلية بشرية واحدة. قد يبدو هذا الرقم أقل إثارة من التقديرات السابقة، لكنه يظل مذهلاً حين تتأمله ملياً.
حقيقة مدهشة: يزن مجموع البكتيريا في جسم الإنسان البالغ ما بين 1.5 إلى 2 كيلوغرام تقريباً، أي ما يعادل وزن دماغك! معظم هذا الوزن يتركز في أمعائك الغليظة.
الجدير بالذكر أن هذه الأرقام تتفاوت من شخص لآخر. فالنظام الغذائي والبيئة المحيطة والعمر والحالة الصحية، كلها عوامل تؤثر في الكتلة البكتيرية. كما أن عدد البكتيريا يتذبذب خلال اليوم الواحد؛ إذ ينخفض بعد التبرز مباشرة ثم يعود للارتفاع.

أين تتواجد هذه البكتيريا بالتحديد؟
لا تتوزع البكتيريا في جسم الإنسان بشكل متساوٍ. بل تتركز في مناطق محددة، ولكل منطقة مجتمعها البكتيري الفريد. فلنستكشف معاً هذه المواطن المختلفة.
تُعَدُّ الأمعاء الغليظة الموطن الرئيس للبكتيريا. إذ تحتضن وحدها أكثر من 99% من إجمالي البكتيريا في الجسم. البيئة هناك مثالية لنموها: دافئة، رطبة، ومليئة بالمغذيات. يُطلق العلماء على هذا المجتمع البكتيري اسم الفلورا المعوية (Gut Flora) أو الميكروبيوتا المعوية (Gut Microbiota).
من ناحية أخرى، يستضيف الجلد مجتمعاً بكتيرياً مختلفاً تماماً. تعيش على سطح جلدك ملايين البكتيريا التي تُشكِّل خط دفاع أولياً ضد الغزاة الممرضين. وتتنوع هذه البكتيريا حسب المنطقة؛ فبكتيريا الإبط تختلف عن بكتيريا الوجه أو القدمين.
مناطق تواجد البكتيريا الرئيسة في الجسم:
- الأمعاء الغليظة: تحتوي على التنوع الأكبر، مع أكثر من 1000 نوع مختلف من البكتيريا، وتؤدي دوراً محورياً في الهضم والمناعة.
- الفم: يضم قرابة 700 نوع بكتيري، تعيش على اللسان واللثة والأسنان، وبعضها يحمي من التسوس بينما يسببه البعض الآخر.
- الجلد: يختلف تركيبه البكتيري حسب الموقع ودرجة الرطوبة، ويُشكِّل حاجزاً حيوياً ضد الميكروبات الضارة.
- الجهاز التنفسي: يحتوي على بكتيريا في الأنف والحلق والرئتين، تساهم في الحماية من العدوى التنفسية.
- الجهاز البولي التناسلي: يضم بكتيريا نافعة، خاصة عند النساء، إذ تحافظ بكتيريا اللاكتوباسيلس على التوازن الحمضي الواقي.
لمحة علمية: لكل شخص “بصمة بكتيرية” فريدة تميزه عن غيره، تماماً كبصمة الإصبع. هذا التفرد يجعل الميكروبيوم أداة محتملة للتعرف على الهوية في المستقبل!

اقرأ أيضاً: البصمات: التكوين، الوراثة، وأهميتها الجنائية
ما الفرق بين البكتيريا النافعة والضارة؟
يميل الذهن البشري إلى التصنيف الثنائي: جيد أو سيئ، نافع أو ضار. لكن عالم البكتيريا أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالبكتيريا في جسم الإنسان تقع ضمن طيف واسع، ومعظمها ليس نافعاً ولا ضاراً بشكل مطلق.
تُصنَّف غالبية البكتيريا المعوية ضمن فئة “المتعايشات” (Commensals). هذه البكتيريا لا تنفعك مباشرة ولا تضرك، بل تعيش معك في سلام. إنها تستفيد من الغذاء والمأوى الذي يوفره جسمك دون أن تُقدِّم شيئاً في المقابل ودون أن تُلحق بك أذى.
ثم هناك البكتيريا النافعة حقاً، تلك التي تُقيم علاقة تبادلية (Mutualism) معك. بكتيريا مثل اللاكتوباسيلس (Lactobacillus) والبيفيدوباكتيريوم (Bifidobacterium) تُنتج لك فيتامينات، وتساعدك على هضم الألياف، وتُدرِّب جهازك المناعي. في المقابل، تحصل هي على بيئة مثالية للعيش والتكاثر.
على النقيض من ذلك، توجد البكتيريا الممرضة أو الانتهازية. هذه البكتيريا قد تعيش في جسمك بأعداد قليلة دون أن تسبب مشكلة. لكنها تنتهز أي فرصة لضعف مناعتك أو اختلال توازنك البكتيري لتتكاثر وتسبب المرض. بكتيريا الكلوستريديوم ديفيسيل (Clostridioides difficile) مثال كلاسيكي على ذلك.
هذا وقد أظهرت الأبحاث أن التوازن هو المفتاح. فحين تزدهر البكتيريا النافعة، تُبقي الضارة تحت السيطرة من خلال التنافس على الموارد وإنتاج مواد مضادة للميكروبات. أما حين يختل هذا التوازن، فتنشأ حالة تُسمى “اختلال التوازن البكتيري” أو الديسبيوسيس (Dysbiosis).
كيف تخدمك البكتيريا النافعة كل يوم؟
قد تتساءل: ما الذي تفعله هذه التريليونات من الكائنات داخلي؟ الإجابة ستفاجئك. فالبكتيريا في جسم الإنسان تؤدي وظائف لا يمكن للجسم البشري القيام بها بمفرده.
لنبدأ بالهضم. حين تتناول الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، يعجز جسمك عن هضم الألياف الموجودة فيها. هنا يأتي دور بكتيريا الأمعاء. إذ تُخمِّر هذه البكتيريا الألياف وتحولها إلى أحماض دهنية قصيرة السلسلة (Short-Chain Fatty Acids). هذه الأحماض، مثل البيوتيرات (Butyrate)، تُغذي خلايا القولون وتحميها من الالتهاب والسرطان.
معلومة سريعة: بكتيريا أمعائك تُنتج فيتامينات ضرورية لا يستطيع جسمك تصنيعها، منها فيتامين K الضروري لتخثر الدم، وفيتامين B12 المهم للأعصاب، وحمض الفوليك اللازم لانقسام الخلايا.
وظيفة أخرى حاسمة: تدريب جهاز المناعة. فقد تبين أن 70% من خلايا جهازك المناعي تتواجد في جدار أمعائك. هذه الخلايا تتعلم من البكتيريا النافعة كيف تُميِّز بين الصديق والعدو. دون هذا التدريب، قد يُهاجم جهازك المناعي خلايا جسمك ذاته أو يُفرط في التفاعل مع مواد غير ضارة كالطعام.
بالإضافة إلى ذلك، تُنتج بكتيريا الأمعاء مواد مضادة للميكروبات. هذه المواد تُسمى البكتيريوسينات (Bacteriocins)، وهي تقتل أو تُثبِّط نمو البكتيريا الضارة. إنها حرب مستمرة داخل أمعائك، والبكتيريا النافعة تخوضها نيابة عنك كل ثانية.

اقرأ أيضاً: الأمعاء الدقيقة: التركيب، الوظيفة، والأمراض
كيف تؤثر بكتيريا الأمعاء على حالتك النفسية؟
إليك واحدة من أكثر الاكتشافات العلمية إثارة في العقد الأخير: أمعاؤك تتحدث مع دماغك! هذا ليس مجازاً شعرياً، بل حقيقة علمية موثقة. يُطلق العلماء على هذا التواصل اسم محور الأمعاء-الدماغ (Gut-Brain Axis).
فما هو هذا المحور بالضبط؟ إنه شبكة اتصال ثنائية الاتجاه تربط الجهاز العصبي المركزي (الدماغ والحبل الشوكي) بالجهاز العصبي المعوي (ما يُسمى أحياناً “الدماغ الثاني”). البكتيريا في جسم الإنسان تلعب دوراً محورياً في هذا التواصل.
كيف يحدث ذلك؟ تُنتج بكتيريا الأمعاء نواقل عصبية مباشرة. نعم، قرأتَ هذا صحيحاً. بكتيريا اللاكتوباسيلس والبيفيدوباكتيريوم تُنتج حمض غاما أمينوبيوتيريك (GABA)، الناقل العصبي المسؤول عن الهدوء والاسترخاء. بكتيريا أخرى تُنتج الدوبامين والنورإبينفرين.
هل كنتَ تعرف؟ ما يقارب 95% من السيروتونين في جسمك يُنتَج في أمعائك، لا في دماغك! السيروتونين هو “هرمون السعادة” المسؤول عن المزاج والنوم والشهية.
لقد ربطت الدراسات الحديثة بين اختلال الميكروبيوم المعوي وعدة اضطرابات نفسية وعصبية. من بينها الاكتئاب والقلق، بل وحتى بعض اضطرابات طيف التوحد. هذا لا يعني أن البكتيريا تسبب هذه الحالات بالضرورة، لكنها قطعة مهمة في أحجية معقدة.
في عام 2023، نشرت مجلة Nature Microbiology دراسة مهمة أظهرت أن أشخاصاً يعانون من الاكتئاب لديهم تنوع بكتيري أقل في أمعائهم. كما أن بعض أنواع البكتيريا النافعة كانت شبه غائبة لديهم. هذا يفتح آفاقاً جديدة للعلاج قد تتضمن يوماً ما “البروبيوتيك المضاد للاكتئاب”.

اقرأ أيضاً: لماذا ننام؟ الوظائف البيولوجية والآليات العصبية للنوم
ما الذي يُخِل بتوازن الميكروبيوم؟
التوازن البكتيري في أمعائك ليس ثابتاً. إنه ديناميكي، يتأثر بعشرات العوامل يومياً. وفهم هذه العوامل هو الخطوة الأولى لحماية صحتك.
المضادات الحيوية تأتي في مقدمة العوامل المُخِلَّة. هذه الأدوية مُصمَّمة لقتل البكتيريا، لكنها لا تُميِّز دائماً بين الصديق والعدو. جرعة واحدة من مضاد حيوي قوي قد تقضي على نسبة كبيرة من البكتيريا النافعة. الأسوأ أن بعض هذه الأنواع قد لا تعود أبداً.
النظام الغذائي يلعب دوراً حاسماً أيضاً. الأغذية فائقة المعالجة والسكريات المكررة تُغذي البكتيريا الضارة وتُجوِّع النافعة. بالمقابل، الألياف النباتية والأطعمة المُخمَّرة تُعزز التنوع البكتيري الصحي.
حقيقة علمية مفاجئة: أظهرت دراسة نُشرت عام 2024 أن تغيير النظام الغذائي يمكن أن يُحدث تغييرات ملحوظة في تركيبة الميكروبيوم خلال 24 ساعة فقط! لكن التغييرات المستمرة تتطلب التزاماً طويل الأمد.
من ناحية أخرى، الضغط النفسي المزمن يؤثر سلباً على الميكروبيوم. فهرمونات التوتر تُغيِّر بيئة الأمعاء وتُضعف حاجزها المخاطي. هذا يسمح للبكتيريا الضارة بالتكاثر ويُثبِّط النافعة. إنها حلقة مفرغة: التوتر يُضر بالبكتيريا، واختلال البكتيريا يزيد التوتر.
عوامل إضافية تؤثر في توازن الميكروبيوم:
- قلة النوم: النوم غير الكافي أو المتقطع يُخِل بالإيقاع اليومي للبكتيريا ويُقلل تنوعها.
- قلة الحركة: نمط الحياة الخامل يرتبط بتنوع بكتيري أقل، بينما التمارين المعتدلة تُعززه.
- الولادة القيصرية: الأطفال المولودون قيصرياً يكتسبون ميكروبيوماً مختلفاً عن أولئك المولودين طبيعياً، مما قد يؤثر على صحتهم لاحقاً.
- الرضاعة الصناعية: حليب الأم يحتوي على بكتيريا نافعة وسكريات تُغذيها، بينما تفتقر الرضاعة الصناعية لهذه الميزة.
- التقدم في العمر: يميل التنوع البكتيري للانخفاض مع التقدم في السن، مما قد يُفسر بعض مشاكل المناعة والهضم لدى كبار السن.
هل يجب أن تخاف من البكتيريا؟
لنواجه هذا السؤال بصراحة. فالخوف من البكتيريا متجذر في ثقافتنا منذ اكتشاف الجراثيم في القرن التاسع عشر. لكن هل هذا الخوف مبرر؟
الإجابة المختصرة: لا، ليس بالقدر الذي نتصوره. نعم، بعض البكتيريا تسبب أمراضاً خطيرة. لكن هذه الممرضة تُشكِّل أقلية ضئيلة جداً من عالم البكتيريا الواسع. الغالبية العظمى إما نافعة أو غير مؤذية.
فقد أظهرت الأبحاث أن الهوس بالنظافة قد يكون ضاراً. هذا ما تُسميه “فرضية النظافة” (Hygiene Hypothesis). الأطفال الذين ينشؤون في بيئات شديدة التعقيم يُحرَمون من التعرض للميكروبات التي تُدرِّب مناعتهم. النتيجة؟ ارتفاع معدلات الحساسية والربو وأمراض المناعة الذاتية.
هذا لا يعني التخلي عن النظافة الأساسية. غسل اليدين قبل الأكل وبعد استخدام المرحاض يظل ضرورياً. لكن الفرق بين النظافة المعقولة والتعقيم المفرط كبير.
إذاً كيف نُحقق التوازن؟ الأمر بسيط: احتضن التعرض الطبيعي للبكتيريا. دع أطفالك يلعبون في التراب. لا تُفرط في استخدام المعقمات. تجنب المضادات الحيوية إلا عند الضرورة الطبية الحقيقية.
ملحوظة مهمة: المبالغة في استخدام المطهرات والمعقمات لا تحميك، بل قد تُضعف خط دفاعك الأول. البكتيريا النافعة على جلدك وفي أمعائك هي جزء من درعك الواقي.
اقرأ أيضاً: علم الأمراض: دراسة الأمراض وتأثيرها على الجسم
مثال تطبيقي: قصة سارة مع المضادات الحيوية
دعني أحكِ لك قصة حقيقية تُوضح كل ما ناقشناه. سارة، شابة في الثامنة والعشرين، عانت من التهاب في الحلق ووصف لها الطبيب مضاداً حيوياً واسع الطيف لمدة عشرة أيام.
في الأيام الأولى، تحسن حلقها. لكن بحلول اليوم الخامس، بدأت تُعاني من إسهال وانتفاخ وغازات مؤلمة. استمرت الأعراض حتى بعد انتهاء الدواء. أخبرها الطبيب أن هذا طبيعي ومؤقت.
لكن الأسابيع مرت ولم تتحسن. أصبحت سارة تشعر بالتعب المستمر وتقلبات مزاجية غريبة. لم تربط في البداية بين هذه الأعراض والمضاد الحيوي.
ماذا حدث فعلياً؟ المضاد الحيوي قتل بكتيريا الحلق الممرضة، نعم. لكنه أباد أيضاً نسبة كبيرة من البكتيريا النافعة في أمعائها. هذا الفراغ أتاح لبكتيريا انتهازية أن تتكاثر.
الحل جاء تدريجياً. بدأت سارة بتناول أطعمة غنية بالبروبيوتيك: الزبادي الطبيعي، والمخللات المُخمَّرة تقليدياً، والكيمتشي. أضافت الألياف إلى نظامها الغذائي لتُغذي البكتيريا النافعة. خلال ستة أسابيع، استعادت توازنها.
ما الدرس المستفاد؟ أولاً، لا تتناول المضادات الحيوية إلا حين تكون ضرورية فعلاً وبوصفة طبية. ثانياً، إن اضطررت لتناولها، فادعم ميكروبيومك بالغذاء المناسب خلال فترة العلاج وبعدها.
كيف تحافظ على صحة البكتيريا النافعة في جسمك؟
بعد كل ما قرأته، ربما تتساءل: ما الذي أستطيع فعله عملياً؟ لحسن الحظ، الخطوات بسيطة وفي متناول الجميع.
الغذاء هو المفتاح الأول والأهم. البكتيريا في جسم الإنسان تتغذى على ما تتغذى أنت عليه. الألياف النباتية غير القابلة للهضم هي الوقود المُفضَّل للبكتيريا النافعة. تجدها في الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة. هذه الألياف تُسمى “البريبيوتيك” (Prebiotics).
من جهة ثانية، الأطعمة المُخمَّرة تُدخل بكتيريا نافعة حية إلى جهازك الهضمي. هذا ما يُعرف بالبروبيوتيك (Probiotics). الزبادي الطبيعي (ابحث عن عبارة “يحتوي على بكتيريا حية” على العبوة)، والكفير، والمخللات المُخمَّرة طبيعياً، وحتى بعض أنواع الجبن المُعتَّق، كلها مصادر ممتازة.
نصائح عملية للحفاظ على توازن الميكروبيوم:
- نوِّع غذاءك: كلما تنوعت الأطعمة النباتية في طبقك، زاد تنوع البكتيريا في أمعائك. حاول تناول 30 نوعاً مختلفاً من النباتات أسبوعياً.
- قلل السكريات المُصنَّعة: السكر المُكرر يُغذي البكتيريا الضارة ويُحدث اختلالاً سريعاً في التوازن.
- تناول البروبيوتيك يومياً: سواء من الطعام أو المكملات، لكن الطعام يبقى الخيار الأفضل والأكثر فعالية.
- تجنب المضادات الحيوية غير الضرورية: لا تُلح على طبيبك لوصفها، ولا تتناولها دون استشارة طبية.
- قلل التوتر: مارس تقنيات الاسترخاء كالتأمل أو التنفس العميق، فصحتك النفسية تنعكس على صحة أمعائك.
- نَم جيداً: استهدف 7-8 ساعات من النوم المتواصل ليلاً للحفاظ على الإيقاع اليومي لبكتيريا أمعائك.
- تحرَّك: التمارين المعتدلة المنتظمة تُعزز التنوع البكتيري، حتى لو كانت مجرد مشي يومي لمدة 30 دقيقة.
نصيحة أخيرة: لا تبحث عن حلول سحرية أو مكملات باهظة الثمن. التغييرات البسيطة والمستمرة في نمط الحياة أكثر فعالية بكثير من أي “علاج معجزة” يُروَّج له.
اقرأ أيضاً: الطعام: ما هي أسس التغذية السليمة وكيف يؤثر على صحتنا؟
ما الجديد في أبحاث الميكروبيوم؟
يشهد مجال أبحاث الميكروبيوم طفرة علمية غير مسبوقة. ما كان خيالاً علمياً قبل سنوات أصبح واقعاً قيد الدراسة اليوم.
من أبرز التطورات: زراعة الميكروبيوم البرازي (Fecal Microbiota Transplantation – FMT). هذا الإجراء يتضمن نقل بكتيريا من أمعاء شخص صحي إلى أمعاء مريض. وقد أثبت نجاحاً مذهلاً في علاج عدوى بكتيريا الكلوستريديوم ديفيسيل المقاومة للعلاج. نسبة الشفاء تتجاوز 90% في بعض الدراسات.
كذلك يعمل الباحثون على تطوير “بروبيوتيك الجيل القادم”. هذه ليست البكتيريا العامة الموجودة في الزبادي، بل سلالات مُختارة بدقة لعلاج حالات محددة. تخيل بروبيوتيك مُصمَّماً خصيصاً لتحسين استجابتك للعلاج المناعي للسرطان، أو لتخفيف أعراض القولون العصبي.
في عام 2024، نشرت مجلة Cell دراسة رائدة عن “توقيع الميكروبيوم” لأمراض مختلفة. الفكرة أن كل مرض يُحدث تغييرات مميزة في تركيبة البكتيريا المعوية. مستقبلاً، قد يُصبح تحليل عينة براز كافياً للكشف المبكر عن أمراض كالسكري والسمنة وحتى بعض السرطانات.
أغرب معلومة في المقال: يدرس العلماء حالياً إمكانية استخدام بكتيريا مُعدَّلة وراثياً لتوصيل الأدوية مباشرة إلى مواقع المرض داخل الجسم. تخيل بكتيريا تسبح في دمك وتُطلق جرعة العلاج الكيميائي فقط حين تصل إلى الخلية السرطانية!
اقرأ أيضاً: علاج السرطان: التقنيات الحديثة والابتكارات المستقبلية
خاتمة: أنت ومليارات الشركاء
وصلنا إلى نهاية رحلتنا في عالم البكتيريا في جسم الإنسان. لعلك تنظر الآن إلى جسدك بعيون مختلفة. أنت لست كائناً منفرداً، بل نظام بيئي متكامل يضم تريليونات الشركاء المجهريين.
هؤلاء الشركاء لا يُثقلون عليك. بالعكس، هم يعملون لمصلحتك كل ثانية. يهضمون طعامك، ويُدرِّبون مناعتك، ويُنتجون فيتاميناتك، بل ويُؤثرون في مزاجك وصفائك الذهني.
لقد كشف لنا العلم الحديث أن العناية بالميكروبيوم ليست رفاهية، بل ضرورة صحية. وكل خيار غذائي تتخذه، وكل ليلة تنامها، وكل لحظة تتعامل فيها مع توترك، تؤثر في هذا العالم الخفي داخلك.
فهل أنت مستعد لتكون مُضيفاً أفضل لضيوفك التريليونيين؟
اقرأ المزيد عن صحة الجهاز الهضمي وتأثير الغذاء على جسمك في مقالاتنا الأخرى، وشاركنا تجربتك مع تغيير نظامك الغذائي في التعليقات أدناه. إن أعجبك هذا المحتوى، لا تتردد في مشاركته مع من يهمك أمرهم.
المراجع
Sender, R., Fuchs, S., & Milo, R. (2016). Revised estimates for the number of human and bacteria cells in the body. PLOS Biology, 14(8), e1002533. https://doi.org/10.1371/journal.pbio.1002533
— الدراسة المرجعية الأساسية التي صححت التقديرات السابقة لنسبة البكتيريا إلى خلايا الجسم البشري.
Human Microbiome Project Consortium. (2012). Structure, function and diversity of the healthy human microbiome. Nature, 486(7402), 207–214. https://doi.org/10.1038/nature11234
— البحث التأسيسي الذي رسم الخريطة الأولى للميكروبيوم البشري الصحي.
Cryan, J. F., & Dinan, T. G. (2012). Mind-altering microorganisms: The impact of the gut microbiota on brain and behaviour. Nature Reviews Neuroscience, 13(10), 701–712. https://doi.org/10.1038/nrn3346
— مرجع أساسي لفهم محور الأمعاء-الدماغ وتأثير البكتيريا على الصحة النفسية.
Valdes, A. M., Walter, J., Segal, E., & Spector, T. D. (2018). Role of the gut microbiota in nutrition and health. BMJ, 361, k2179. https://doi.org/10.1136/bmj.k2179
— مراجعة شاملة للعلاقة بين التغذية والميكروبيوم والصحة العامة.
Gilbert, J. A., Blaser, M. J., Caporaso, J. G., Jansson, J. K., Lynch, S. V., & Knight, R. (2018). Current understanding of the human microbiome. Nature Medicine, 24(4), 392–400. https://doi.org/10.1038/nm.4517
— كتاب مرجعي يُلخص الفهم الحالي للميكروبيوم وتطبيقاته السريرية.
McDonald, D., et al. (2018). American Gut: An open platform for citizen science microbiome research. mSystems, 3(3), e00031-18. https://doi.org/10.1128/mSystems.00031-18
— دراسة تطبيقية واسعة النطاق جمعت بيانات الميكروبيوم من آلاف المشاركين.
إخلاء مسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال ذات طابع تثقيفي عام ولا تُغني عن استشارة الطبيب أو أخصائي التغذية. إن كنت تعاني من مشاكل صحية، يُرجى مراجعة مقدم الرعاية الصحية المختص.
جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.




