وداعًا لمصطلح "ما قبل السكري"... مرحبًا بمراحل السكري من النوع الثاني
مقترح علمي جديد يُعيد تصنيف مسار السكري من النوع الثاني إلى ثلاث مراحل بهدف التدخل المبكر وتقليل المخاطر

في خطوة قد تُغيّر جذريًا الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الطبي مع ملايين الأشخاص حول العالم، يقترح فريق من كبار المتخصصين في مجال السكري التخلي عن مصطلح “ما قبل السكري” (Prediabetes) واستبداله بنظام تصنيف مرحلي مكوّن من ثلاث مراحل للسكري من النوع الثاني. الهدف من هذا التحول ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل هو إعادة تأطير كاملة تهدف إلى تعزيز التدخل العلاجي المبكر، وفتح الباب أمام اعتماد أدوية للعلاج في مراحل مبكرة جدًا من المرض، وهو ما لا يتيحه التصنيف الحالي.
المشكلة مع مصطلح “ما قبل السكري”
يرى الدكتور موشيه فيليب، مدير معهد الغدد الصماء والسكري في مركز شنايدر الطبي للأطفال في بتاح تكفا بإسرائيل، والمؤلف المشارك لورقة علمية نُشرت في مجلة The Lancet Diabetes & Endocrinology في وقت سابق من هذا العام، أن أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها المجتمع الطبي هو إطلاق تسمية “ما قبل السكري” على هؤلاء المرضى. ويوضح السبب بعبارة بسيطة ودقيقة:
“مصطلح ‘ما قبل السكري’ يوحي للشخص بأنه لا يزال سليمًا، وهذا غير صحيح.”
الحقيقة العلمية أن كثيرًا ممن يحملون تشخيص “ما قبل السكري” يواجهون بالفعل مخاطر مرتفعة للإصابة بمضاعفات خطيرة، على رأسها أمراض القلب والأوعية الدموية. فقد أثبتت الدراسات أن كلًا من اختلال تحمل الجلوكوز (IGT) واختلال الجلوكوز الصائم (IFG) — وهما الحالتان اللتان تندرجان تحت مسمى “ما قبل السكري” — يرتبطان بزيادة ملموسة في مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الكلى المزمنة، والخرف المبكر، وبعض أنواع السرطان.
والمفارقة المقلقة هنا أنه على الرغم من وجود أدلة علمية قوية على أن أدوية مثل الميتفورمين، والبيوغليتازون، وأدوية GLP-1 يمكنها منع تطور الحالة إلى سكري من النوع الثاني وتقليل مخاطر القلب والأوعية الدموية، إلا أنه لا توجد حاليًا أي عملية اعتماد دوائي رسمية لعلاج “ما قبل السكري”. أي أن التصنيف الحالي يحرم المرضى فعليًا من العلاج الدوائي المبكر الذي قد ينقذ حياتهم.
التصنيف المرحلي الجديد المقترح
يقترح الفريق العلمي نظامًا مرحليًا جديدًا للسكري من النوع الثاني يتكون من ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى (Stage 1)
تتميز هذه المرحلة بارتفاع تدريجي في مستوى الجلوكوز الصائم في البلازما، لكنه يظل ضمن النطاق الطبيعي المعرّف حاليًا (أي أقل من 100 ملغ/ديسيلتر أو أقل من 5.6 مليمول/لتر). في الوضع الراهن، هؤلاء الأشخاص لا يحصلون على أي تشخيص ولا يُقدَّم لهم أي تدخل علاجي، رغم أن أجسامهم بدأت بالفعل في إظهار إشارات إنذار مبكرة.
المرحلة الثانية (Stage 2)
في هذه المرحلة، تتجاوز مستويات الجلوكوز الحد الطبيعي لكنها تبقى أقل من العتبة المحددة حاليًا لتشخيص السكري من النوع الثاني. وتشمل هذه المرحلة حالات اختلال الجلوكوز الصائم، واختلال نتائج اختبار تحمل الجلوكوز الفموي (سواء لمدة ساعة أو ساعتين)، أو وجود مستوى A1c بين 5.7% و6.4% (أي بين 39 و46 مليمول/مول).
والأهم من ذلك أن هذه المرحلة تنقسم إلى مرحلتين فرعيتين:
- المرحلة 2أ (Stage 2a): للمرضى ذوي التطور البطيء نحو السكري الكامل.
- المرحلة 2ب (Stage 2b): للمرضى ذوي التطور السريع.
هذا التقسيم الفرعي يُتيح للأطباء تخصيص استراتيجيات العلاج وفقًا لسرعة تقدم المرض لدى كل مريض على حدة.
المرحلة الثالثة (Stage 3)
تمثل هذه المرحلة السكري الصريح من النوع الثاني كما نعرفه اليوم. وتتضمن مرحلة فرعية هي المرحلة 3أ (Stage 3a)، حيث يمكن إدارة المرض مبدئيًا باستخدام علاجات غير الأنسولين.
الأهداف من وراء التغيير
يقود هذه المبادرة أعضاء من تحالف الوقت ضمن النطاق (Time in Range Coalition)، وهو مشروع تابع لمؤسسة diaTribe Foundation بدعم من القطاع الصناعي. ويوضح الدكتور تاديج باتيلينو، رئيس قسم الغدد الصماء في المركز الطبي الجامعي في ليوبليانا وأستاذ طب الأطفال في جامعة ليوبليانا بسلوفينيا، المؤلف المشارك للورقة، الهدف الجوهري من هذا التصنيف الجديد:
“ما نريده حقًا هو أن نجعل المرحلتين الأولى والثانية من السكري من النوع الثاني مرضًا معترفًا به، وهذا يعني أنه يمكنك علاجه.”
بعبارة أخرى، يسعى الفريق إلى أن يصبح التصنيف الجديد تشخيصًا طبيًا رسميًا له مؤشرات معتمدة لدى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، وأن يكون العلاج قابلًا لاسترداد التكاليف التأمينية حتى في المرحلة الأولى. وبحسب باتيلينو، فإن هذا “قد يُحدث أثرًا هائلًا على نتائج العلاج.”
ويُشبّه الباحثون هذا المقترح بنماذج ناجحة سبق تطبيقها في مجالات طبية أخرى:
- السكري من النوع الأول: حيث تم بالفعل اعتماد نظام مرحلي لتصنيف المراحل ما قبل السريرية والسريرية للمرض.
- ارتفاع ضغط الدم: حيث أزالت اللجنة الوطنية المشتركة للكشف عن ضغط الدم المرتفع وتقييمه وعلاجه (JNC) مصطلحات مثل “ارتفاع الضغط الخفيف” و”ما قبل ارتفاع الضغط” في عام 2017، واستبدلتها بمراحل مرقمة من 1 إلى 4.
ومن المتوقع أن يصدر بيان إجماع دولي رسمي بحلول نهاية العام الجاري، مع أمل في أن تنضم إليه جمعيات مهنية متعددة حول العالم.
تاريخ مصطلح “ما قبل السكري”
لفهم أهمية التغيير المقترح، من المفيد استعراض تاريخ المصطلح الحالي. تشرح الدكتورة إم. سو كيركمان، التي شغلت منصب نائب الرئيس الأول للشؤون الطبية والمعلومات المجتمعية في الجمعية الأمريكية للسكري (ADA) خلال الفترة من 2007 إلى 2012، أن مصطلح “pre-diabetes” (بشرطة) يعود إلى عام 1979، حين استخدمته المجموعة الوطنية لبيانات السكري لوصف اختلال تحمل الجلوكوز. ثم أصبح أكثر شيوعًا في مطلع الألفية الثالثة كمصطلح يشمل كلًا من اختلال تحمل الجلوكوز واختلال الجلوكوز الصائم.
في عام 2009، شكّلت الجمعية الأمريكية للسكري والرابطة الأوروبية لدراسة السكري لجنة خبراء لاقتراح نقاط قطع لمستوى A1c في تشخيص السكري. واقترح بعض أعضاء اللجنة التخلي عن المصطلحات الوسيطة، إلا أن لجنة أمريكية لاحقة بقيادة الجمعية الأمريكية للسكري قررت الاحتفاظ بها.
وتوضح كيركمان السبب وراء ذلك القرار:
“كان جزء من الدافع للاحتفاظ بمصطلح ‘ما قبل السكري’ هو أن البعض رأى أن مفهوم المخاطر المتدرجة المستمرة، رغم صحته العلمية، يصعب إيصاله وقد لا يُحفّز الأطباء أو الأشخاص المعرضين للخطر على التحرك.”
مخاوف ونقاط خلافية
رغم اعتراف كيركمان بأن الفكرة “مثيرة للاهتمام”، إلا أنها أبدت عدة مخاوف جوهرية:
هل التصنيف المرحلي سيُحدث فرقًا حقيقيًا؟
تشير كيركمان إلى تجربة ارتفاع ضغط الدم كمثال يستحق التأمل. فعلى الرغم من أن تغييرات اللجنة الوطنية المشتركة (JNC) كانت تهدف إلى تحفيز تغيير في ممارسات علاج ارتفاع الضغط، إلا أنها ليست متأكدة من أن هذه التغييرات المتكررة أدت فعلًا إلى تحسين كبير في مستويات ضبط ضغط الدم، بل تعتقد أنها كانت “مربكة جدًا للأطباء السريريين.”
هل سيفهم المرضى النظام الجديد؟
تتساءل كيركمان: هل سيكون إخبار الأشخاص بأن لديهم “المرحلة الثانية من السكري من النوع الثاني” وأنهم بحاجة لمنع التقدم إلى المرحلة الثالثة أكثر تأثيرًا من إخبارهم بأن لديهم “ما قبل السكري” وأنهم بحاجة لتأخير أو منع الإصابة بالسكري؟ وتقول: “يبدو أن الناس يفهمون مصطلح ‘ما قبل السكري’، لكن هل سيفهمون مراحل السكري؟”
الفرق الجوهري مع مراحل السكري من النوع الأول
تلفت كيركمان إلى فارق مهم بين التصنيف المقترح ونظام المراحل المعتمد للسكري من النوع الأول: فالأشخاص في المرحلة الأولى من السكري من النوع الأول شبه متأكدين من تطور حالتهم إلى سكري سريري. أما في التصنيف المقترح للنوع الثاني، فإن معظم الأشخاص في المرحلة الأولى سيكونون في الواقع ذوي خطر منخفض جدًا للتقدم إلى سكري سريري، وكذلك كثير ممن هم في المرحلة الثانية أو ممن يحملون حاليًا تشخيص “ما قبل السكري.”
التحليل: بين الطموح العلمي والتطبيق الواقعي
يطرح هذا المقترح سؤالًا محوريًا في الطب الحديث: متى يكون مبكرًا جدًا للتدخل في مسار مرض ما؟ والإجابة، كما يراها أصحاب المقترح، هي أنه لا يوجد وقت “مبكر جدًا” عندما يتعلق الأمر بالسكري من النوع الثاني.
من منظور الصحة العامة، فإن الفوائد المحتملة لهذا التغيير هائلة. فالسكري من النوع الثاني يُعد من أكبر الأوبئة الصحية في العالم، ومعظم المرضى لا يُشخَّصون إلا بعد أن يكون المرض قد تقدم بشكل كبير. إن تحويل “ما قبل السكري” إلى مرحلة مرضية معترف بها قد يُمكّن من:
- إتاحة العلاج الدوائي المبكر لملايين الأشخاص حول العالم.
- تغطية تأمينية للتدخلات العلاجية في مراحل مبكرة.
- تقليل العبء الاقتصادي الهائل لمضاعفات السكري المتقدمة على أنظمة الرعاية الصحية.
- إنقاذ أرواح من خلال الحد من المضاعفات القلبية الوعائية والكلوية المبكرة.
لكن في المقابل، هناك مخاوف مشروعة من أن يؤدي هذا التصنيف إلى إفراط في التشخيص والعلاج (Overdiagnosis and Overtreatment)، خاصة في المرحلة الأولى حيث قد يكون خطر التطور إلى سكري صريح منخفضًا فعليًا لدى كثير من الأشخاص. كما أن تصنيف أعداد هائلة من الناس بأنهم مصابون بـ”مرحلة من السكري” قد يُثقل كاهل الأنظمة الصحية ويزيد من القلق لدى أشخاص قد لا يحتاجون فعليًا إلى تدخل دوائي.
خلاصة
يمثل المقترح الجديد لتصنيف السكري من النوع الثاني إلى ثلاث مراحل نقلة نوعية محتملة في مقاربة أحد أخطر الأمراض المزمنة في العالم. إن نجاح هذا التصنيف سيعتمد على قدرة المجتمع الطبي على تحقيق توازن دقيق بين التدخل المبكر الفعّال والحد من الإفراط في التشخيص، وعلى مدى قبول المرضى والأطباء على حد سواء لهذا الإطار الجديد.
ما هو مؤكد أن النقاش حول هذا المقترح سيُشكّل أحد أبرز المحاور في أبحاث وسياسات السكري في السنوات القادمة، وأن بيان الإجماع الدولي المنتظر بحلول نهاية العام سيكون محطة فارقة في تحديد مستقبل التعامل مع هذا المرض.
المصدر:
Medscape – Goodbye, Prediabetes, Hello, Type 2 Diabetes Stages?
تمت المراجعة والتدقيق بواسطة الهيئة الطبية:

اختصاصي السكري والغدد الصماء

طبيب عام ومراجع طبي

اختصاصية تغذية علاجية

خبير الرقابة الدوائية



